آخر تحديث :الثلاثاء-08 سبتمبر 2026-12:24م

اليمن.. معركة "إيصال الحقيقة" لا تقل عن معركة استعادة الدولة

الثلاثاء - 08 سبتمبر 2026 - الساعة 10:03 ص
د.باسم المذحجي


في زمن أصبحت فيه كل كلمة تُكتب من اليمن تصل في ثوانٍ إلى مكاتب الأجهزة الاستخبارية الإقليمية والدولية، ومكتب المبعوث الأممي، ومراكز القرار في العالم، لم تعد المعركة على الأرض وحدها هي الفيصل.

معركة "إيصال الحقيقة" اليوم توازي في أهميتها معركة استعادة الدولة. فمن يملك السردية المقنعة، يملك جزءًا كبيرًا من التأييد الدولي.

هذه قراءة موجهة للداخل اليمني أولاً: للصحفي، للمثقف، للباحث، ولصانع القرار.

عندما تتحول الحقيقة إلى سلاح

تواجه اليمن اليوم حربين متوازيتين. الأولى عسكرية وسياسية، والثانية إعلامية وحقوقية. في الحرب الثانية ينتشر تزييف الوعي والشائعات والمعلومات المضللة بهدف طمس واقع الانتهاكات وتشويه صورة الضحايا.

هنا ظهرت "استراتيجية إيصال الحقيقة" كجهد منظم يقوده صحفيون ومدافعون عن حقوق الإنسان ومنظمات محلية. هدفها بسيط ومعقد في آن: كسر السرديات المضللة ونقل الواقع الميداني بدقة وموضوعية إلى صناع القرار والمجتمع الدولي.

وتقوم هذه الاستراتيجية على 4 ركائز:

1. تمكين الصوت المحلي وتوثيق الانتهاكات

لم يعد كافيًا الحديث العام. العالم يريد أسماء، تواريخ، صور، إحداثيات.

من حصار تعز إلى زراعة الألغام، إلى تجنيد الأطفال وتفجير المنازل. التوثيق المهني المدعوم بالأدلة، وإيصال الشهادات الحية مباشرة من الضحايا إلى لجان الأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان، هو الذي يصنع الفارق.

2. مكافحة المعلومات المضللة

في ظل "طوفان النشر غير المنضبط" كان لابد من إنشاء شبكات متخصصة. مثل "الشبكة اليمنية لمدققات الحقائق" التي تعمل على تفكيك الشائعات. وبالتوازي تدريب الصحفيين المحليين على أدوات التحقق الرقمي لضمان أن تخرج الأخبار نظيفة قبل أن تلوثها الماكينة الإعلامية للخصوم.

3. حماية الصحفيين من "اغتيال الحقيقة"

يطالب الإعلاميون اليمنيون، عبر منظمات مثل "صدى"، بآليات دولية واضحة لحمايتهم من الملاحقة والاعتقال. فلا حرية تعبير بلا أمن للمصادر، ولا سردية مقنعة بلا صحفيين أحياء.

4. تصحيح المصطلحات الدولية

هنا مربط الفرس. العالم لا يفهم لغة العاطفة فقط. العالم يعترف بمعادلة واضحة: *60% أمن دولي، 30% حقوق إنسان، 10% قانون*.

لذلك يجب رفض تحويل "حصار المدن الكارثي" إلى نقاش تقني بارد عن "فتح الطرق". تسمية الأشياء بمسمياتها الفعلية هي أول خطوة لكسب التعاطف والإقناع.

من صراع محلي إلى تهديد عالمي

لكن لماذا يصغي العالم أصلاً؟ لأن اليمن لم تعد شأناً داخلياً.

تحولت الحرب إلى تهديد مباشر لأمن الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب. وأصبحت ساحة لتقاطع نفوذ السعودية والإمارات ومصر وإيران. وتضاعفت الأزمات الاقتصادية حتى أثقلت كاهل مواطن منهك أصلاً.

على المستوى الدولي، أجبرت التهديدات شركات الشحن على تغيير مساراتها، فارتفعت كلفة التأمين والنقل. وحذرت الأمم المتحدة مراراً من اتساع رقعة النزاع. وتتابع واشنطن وموسكو التطورات عن كثب لأنها مرتبطة مباشرة بأمن الطاقة وطرق التجارة العالمية.

الخلاصة: كيف نقنع العالم؟

الرسالة واضحة: إذا أردنا للعالم أن يسمعنا، فعلينا أن نتحدث بلغته.

لغة تجمع بين التوثيق القانوني، والبعد الأمني، والرواية الإنسانية.

مقاربات المجتمع الدولي لن تتجاوز الاستجابة الإنسانية المؤقتة ما لم نعد إبراز الجذور السياسية والجيوسياسية للأزمة، ونربطها باستعادة مؤسسات الدولة والمساءلة.

في النهاية، الانتصار ليس فقط في الميدان. الانتصار هو في "حصافة الطرح" بالكم والكيف والنسبة التي تجعل العالم يقتنع بسرديتنا.

لأن الصمت في وجه التزييف، هو مشاركة فيه.