آخر تحديث :الثلاثاء-08 سبتمبر 2026-10:44م

اليمن بين حربٍ أرهقت الناس وصراعٍ على مستقبل الدولة

الثلاثاء - 08 سبتمبر 2026 - الساعة 09:14 م
فارس المداري


لم تعد الحرب في اليمن مجرد خطوط تماس على خرائط عسكرية، ولا مجرد صراع سياسي تتبدل فيه التحالفات والمواقف. فخلف سنوات الحرب الطويلة يقف مجتمع أنهكته الأزمات، وأسرٌ تكافح من أجل أبسط متطلبات الحياة، واقتصاد تآكلت قدرته على الصمود، وجيلٌ كامل نشأ في ظل الخوف وعدم اليقين.

وفي قلب هذه المأساة يقف الحوثيون بوصفهم جماعة سلالية عنصرية تحمل عقيدة جارودية اثنا عشرية منحرفة تقوم على ادعاء الحق الإلهي في الحكم والولاية، والطعن في صحابة رسول الله -رضوان الله عليهم- وفي أمهات المؤمنين الطاهرات.

إن هذا المشروع الطائفي الخطير لا يستهدف الهوية السياسية لليمن فحسب، بل يحارب الإسلام وجوهره وقيمه في نفوس الأمة. لقد أدى مشروع الجماعة القائم على القوة والسلاح واحتكار القرار واستعباد الناس إلى تعميق الانقسام في داخل المجتمع، وأثار مخاوف واسعة بشأن طبيعة الدولة الكهنوتية التي تسعى إلى فرضها على أنقاض الهوية اليمنية.


إن التصدي لهذا الخطر الوجودي ولمشروع الحوثيين السلالي الطائفي يعد واجباً دينياً ووطنياً حتمياً، فوق أي أرض وتحت أي سماء. غير أن مواجهة هذا الشر المطلق لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر لتجاهل الأخطاء والفساد السياسي والمالي والاداري في الجانب الآخر من الصراع.

فالحرب أنتجت في معسكرات مختلفة، مصالحَ مرتبطة باستمرارها، وظهرت شخصيات وقوى سياسية وعسكرية استفادت من اقتصاد الحرب، بينما دفع المواطن وحده الثمن. ولذلك فإن نقد الحوثيين لا يعني منح صك البراءة المطلق للمنظومة السياسية والعسكرية المناوئة لهم، كما أن رفض فساد بعض مكونات الحكومة والقوى المتحالفة معها لا ينبغي أن يتحول إلى قبول بمشروع الحوثيين الإرهابي.

المشكلة الأكثر خطورة أن استمرار الحرب بهذه الصورة جعل اليمنيين أسرى لصراع تتداخل فيه المبادئ بالمصالح، والقضية الوطنية بالحسابات السياسية، فيما تتراجع معاناة الناس إلى المرتبة الثانية.


وفي الجنوب تحديدًا، ساهمت ممارسات الفساد وسوء الإدارة وتعدد مراكز النفوذ داخل معسكر الشرعية في زيادة حالة التذمر وفقدان الثقة لدى قطاعات واسعة من المواطنين، وهو تذمر ينبغي فهم أسبابه بدلًا من التعامل معه باعتباره خيانة أو خروجًا عن القضية الوطنية.

وفي المقابل، فإن المطالبة بحق الجنوبيين في تقرير مستقبلهم السياسي لا تتناقض بالضرورة مع رفض مشروع الحوثيين السلالي. فالقضيتان يمكن النظر إليهما في إطارين مختلفين: الأولى تتعلق بحق سياسي في تحديد شكل الدولة ومستقبل الجنوب، والثانية تتعلق بمواجهة مشروع عسكري وعقائدي متطرف يسعى إلى فرض رؤيته على اليمن والمنطقة بالقوة.


ومن هنا، فإن مشاركة ودعم القوات الجنوبية والجنوبيين في التصدي لمليشيات الحوثي لا تُصنف أبدًا في خانة الولاء الكامل لمنظومة الفساد داخل الشرعية المهترئه، ولا في خانة العودة القسرية إلى مشروع الوحدة؛ إنها في جوهرها معركة عقيدة ووجود، ومواجهة مباشرة مع مشروع الإمامة الاثنا عشرية الذي يعتبر أي مساحة خارج سيطرته تهديداً وجودياً يجب استئصاله. هذا المشروع عابر للجغرافيا، لا تقف عند حدوده وديان ولا جبال، بل يمتد ليطال الجميع. ومن هذا المنطلق جاءت المواجهة الباسلة… انتصاراً للحق لا للأشخاص، وصوناً لمستقبل الأجيال لا تمسكاً بشعارات متهالكة.

ولهذا فإن الطريق إلى مستقبل أكثر استقرارًا لا يمر عبر إنكار قضية الجنوب، ولا عبر تبرير الفساد وتجار الحرب، ولا عبر القبول بفرض سلطة الأمر الواقع الكهنوتية. بل يبدأ بإعادة تعريف الصراع على أساس واضح،، دولة تحترم المواطن، وسلطة لا تحتكرها جماعة سلالية، ومؤسسات لا تتحول إلى أدوات للمصالح الشخصية، وحقوق سياسية لا تُلغى بالقوة.


اليمن بحاجة إلى الخروج من دائرة الحرب التي جعلت الجميع يخسر، إلى مشروع وطني جامع يسقط المشروع الحوثي الطائفي ويعالج جذور الصراع بدل إعادة إنتاجه. ومن حق الجنوبيين أن يناقشوا ويقرروا مستقبلهم السياسي بالوسائل السلمية والسياسية التي تضمن إرادة الشعب فهم اليوم يمتلكون كل الأدوات والموارد التي تمكنهم من ذلك، كما أن من حق بقية اليمنيين أن يعيشوا في دولة رائدة لا تفرض فيها جماعة مدعومة بالخرافة والعقائد الدخيلة مشروعها على رقاب المواطنين.

فالخطر الحقيقي على اليمن ليس فقط في استمرار المعارك، وإنما في أن تتحول الحرب نفسها إلى نظام دائم يستفيد منه المتنفذون، بينما يبقى المواطن هو الخاسر الأكبر في مواجهة صلف السلالة وظلم الفساد، وسط حتمية مواجهة هذا الشر المستطير بكل سبل المقاومة والرفض.