إن النظر إلى الملف اليمني وما يشهده من تطورات سياسية وعسكرية وأمنية بمعزل عن السياق الإقليمي والدولي وتأثيرهما، يقود إلى قراءة ناقصة للمشهد واستنتاجات قد تبتعد عن حقيقة ما يجري في الواقع، حيث أن اليمن لم يعد ملفاً محلياً صرفاً بل أصبح جزءاً من صراع إقليمي ودولي تتداخل فيه مصالح وقوى متعددة.
وفي مقدمة هذه التأثيرات يأتي الصراع بين إيران والولايات المتحدة، وما يرتبط به من حسابات أمنية وسياسية واقتصادية تمتد من البحر الأحمر إلى الخليج والمنطقة بأكملها، ولذلك فإن أي تصعيد أو تهدئة أو تحول في موازين القوى داخل اليمن لا يمكن فصله عن هذه المعادلات الأوسع.
ولا يقتصر التأثير الإقليمي والدولي على الدعم أو المواقف السياسية، بل يمتد إلى صناعة القرار السياسي والعسكري، وتحديد الأولويات، وحدود التصعيد والتهدئة، وتوقيت بعض التحركات والقرارات، وما يبدو أحياناً قراراً محلياً، يكون مرتبطاً بحسابات وضغوط وتفاهمات تتجاوز الداخل اليمني.
وعليه فإن فهم المشهد اليمني يتطلب قراءة ما يجري داخله وما يحيط به في آن واحد، لأن تجاهل الصراع الإيراني ـ الأميركي وحسابات دول الإقليم والقوى الدولية وتأثيرها في القرار اليمني، يجعل أي تحليل للمشهد منقوصاً مهما بدا متماسكاً في تفاصيله.
ومن هذا المنظور يمكن فهم التصعيد العسكري الأخير، باعتباره جزءاً من معادلة إقليمية ودولية أوسع، لا مجرد تطور عسكري داخلي، حيث أن التوقيت والتحركات الميدانية يرتبطان بحسابات النفوذ والصراع الإقليمي، وفي مقدمتها التنافس الإيراني ـ الأميركي.