آخر تحديث :الخميس-02 أبريل 2026-07:58م
أدب وثقافة

(قصة قصيرة)بائعة الشاي

السبت - 28 أغسطس 2021 - 07:45 م بتوقيت عدن
(قصة قصيرة)بائعة الشاي
كتب/ سالم يحي شجون

 في كل صباح توقظه زوجته و تحضر له طعام الفطور و هو كالمعتاد قليلاً من الفول و بعضاً من الخبز و كوباً من الشاي ، و احيانا بعض من الخبز و كوباً من الشاي فقط و احيانا اخرى بعض من الخبز و قليلا من الفول دون الشاي لعدم وجود سكر او شاي او لعدم وجودهما الاثنان معاً .ثم يحمل عدته و يتوجه الى ساحة تقع بالقرب من موقف الحافلات ، هناك حيث يتجمع العمال بمختلف مهنهم من بنايين و نجارين و حدادين و غيرهم من العمال و ينتظر كلا رزقه ، و ربما يطول هذا الانتظار عدة ايام كما هو الحال مع حسن ، فهذا هو اليوم السادس و هو يخرج من بيته صباحاً و يعود بعد العصر دون ان يجد عملاً ، في هذا اليوم و هو في طريقه صباحا الى ساحة انتظار العمال رأى حسن امرأة تحمل بيدها اليمنى كيسا و داخل الكيس حافظات شاي ( ترامس ) و باليد الاخرى كانت تحمل كيسأ اخر و به اكواب شاي ، لم ينتبه احدا الى ان تلك المرأة تبيع شاي ، كون حافظات الشاي ( الترامس ) و اكواب الشاي داخل الكيسين غير ظاهرين ، لكن حسن انتبه لذلك حين سمع المرأة و هي تنادي بصوت منخفض على استحياء و تقول ( هل من احد يريد الشاي ؟ .... هل من احد يريد الشاي ؟  و كانت تنادي بتلك الكلمات و هي تمر بين الحافلات الواقفة طابوراً بانتظار  وان تحمل الركاب و تنقلهم الى مناطق اخرى و كانت المرأة تسير ببطىء بالاتجاه المعاكس لسير حسن ، فمرت من امامه و نادت و هي تنظر اليه قائلة (هل من احد يريد الشاي ؟ ) قالتها بصوتا يكاد لا يسمع ، و نظرات عينيها و ملامح وجهها :كأنما تتوسل المارة لشراء الشاي ...أما صوتها المنخفض فكان مزيجاً من الرقة و فيضاً من الاحزان ... بعد مرورها بعدة خطوات منه توقف حسن و استدار نحو المرأة فلمحها قبل ان تنعطف خلف احدى الحافلات .... اعتصر قلبه الماً ، و دمعت عيناه حزناً على حال تلك المرأة العفيفة ، فهي لم تمد يدها لتطلب الناس الحاجة كما يفعل البعض ، و أخذ يحث نفسه و يتخيل حال تلك المرأة و هي تجهز الشاي في بيتها و تصبه في حافظات الشاي ( الترامس ) و تخرج من باب بيتها و هي تقول ( توكلت على الله ) .....و قال في نفسه ( لابد من ظروف قاسية دفعت بتلك المرأة المسكينة لبيع الشاي بهذه الطريقة المتواضعة جداً ، فلا يبدو عليها ابداً انها متسولة او محتالة او ما شابه ذلك ، بل على العكس تماما فكل ما فيها صوتها نظراتها بل و لباسها ايضاً يدل على انها انسانة عفيفة و متعلمة لكنها لم تجد سوى هذه المهنة كي تدرو لها قليلاً من المال لتسد جزء من حاجتها اليومية .
تابع حسن سيره متجهاً لساحة الانتظار و لم تفارق خياله صورة المرأة بائعة الشاي ، و عاهد نفسه و هو في الطريق قائلاً ( اذا رزقني الله بعمل هذا اليوم ، فأن جزء من اجرتي سأعطيها لتلك المرأة المسكينة ، اتمنى من الله ان يرزقني بعمل ليس من اجل اولادي فقط و لكن من أجل تلك االمرأة المسكينة .
 

عند وصوله الى ساحة انتظار العمال ، سلم عليه احد أصدقائه و قال له لقد تأخرت قليلاً يا حسن ، فقبل حوالي ربع ساعة فقط جاء احد الاشخاص بسيارته و اخذ اربعة عمال اثنين نجارين و اثنين بنائين فربما كنت انت واحدا منهم اذا جئت قبل الان ، هز حسن رأسه قائلاً ( الله كريم ، ستفرج ان شاء الله ) .
 

و بعد حوالي ثلاث ساعات من الانتظار جاء شخصاً اخر بسيارته و كان يبدو عليه الثراء من سيارته الفخمة و مظهره الانيق ، فتوقف امام حسن و قال الرجل لحسن بعد ان أدى له التحية ، اريد نجاراً و مساعد نجار من فضلك ، و لكن ليس اليوم بل في صباح الغد ان شاء الله ، لأن الوقت الان متأخر ، و اتفق مع حسن بأنه سينتظره عند الساعة الثامنة من صباح يوم غداً ، ليأخذه الى مقر العمل  ، شعر حسن بشيء من الراحة و الاطمئنان كونه موعوداً بعمل يوم غد ، عندئذ قرر حسن العودة الى بيته في انتظار الغد و سلك نفس الطريق التي جاء منها لعله يرى المرأة بائعة الشاي .
 

عند وصوله الى موقف الحافلات رأى حسن سائقاً كان يمسح زجاج سيارته بقطعة من قماش ، فسأله حسن عن المرأة بائعة الشاي ، فرد عليه الرجل قائلاً : لقد كانت هنا من حوالي نصف ساعة ، ربما ذهبت الى مكان أخر ...
 

تابع حسن سيره نحو بيته و عند وصوله الى بيته سلم على زوجته و سلمت عليه و قالت  ( اكيد كالعادة لا يوجد عمل ) فطمئنها انه موعوداً بعمل يوم غداً و حكى لها عن المرأة بائعة الشاي و بأنه سيعطيها جزء من اجرته ووافقته زوجته الفكرة و قالت له  : سيبارك لك الله ان شاء الله ) ...
 

في صباح اليوم التالي استيقظ حسن مبكراً و استعد للعمل و عند خروجه من بيته سأل زوجته عن محتاجات البيت ، فقالت له عند عودتك ان شاء الله اشتري لنا كيسا من الارز و كيسا من السكر و علبة شاي و زجاجة زيت ، فقال لها ان شاء الله  ، و توجه الى ساحة انتظار العمال ، و في طريقه مر حسن على موقف الحافلات حيث المرأة بائعة الشاي ، و اشترى منها كوباً من الشاي و قال لها : من فضلك ..هل من الممكن ان القاك هذا بعد عصر اليوم ؟ .. لم تسأله لماذا : لكنها قالت له ان شاء الله .
عند وصوله الى ساحة انتظار العمال لم ينتظر حسن كثيراً حتى جاءه الرجل الذي وعده بالعمل و بالفعل ذهب حسن للعمل عند هذا الرجل ، و كان اعجاب الرجل شديداً بحسن كونه على خلق حميدة و يتقن عمله ، فعرض عليه الرجل ان يعمل معه براتب شهري محترم فرحب حسن بالفكرة ، و عند انتهاءه من العمل و عودته الى البيت ، اشترى  حسن كيسا من الارز و كيسا من السكر و علبة شاي و زجاجة زيت كما قالت له زوجته و وضع تلك الاشياء في كيساً و اشترى مثل ذلك تماماً و وضعهم في كيساً أخر ليعطيهم للمرأة بائعة الشاي .
 

عند وصوله الى موقف الحافلات لم يرى حسن المرأة بائعة الشاي ، و لكنه وجد السائق الذي كان بالأمس يمسح زجاج سيارته فسأله حسن عن المرأة بائعة الشاي ،  فرد عليه الرجل قائلاً ( أتقصد المرأة التي سألتني عليها بلامس ) ..... لقد جاءت الشرطة و منعت البائعين المتجولين في الشوارع و أخذوا من  المرأة بائعة الشاي حافظات الشاي ( الترامس ) و اكواب الشاي ووجهوا لها انذاراً شفوياً بعدم العودة الى البيع في الشوارع و أضاف السائق قائلاً : والله انها امرأة مسكينة و لاحول لها ولا قوة ... لقد بكت عندما أخذوا منها حاجياتها.
 

حزن حسن حزناً شديدا ، لكنه لا يملك الا انه تابع سيره نحو بيته ، في البيت قال حسن لزوجته بأن الرجل الذي عمل عنده اليوم قد وظفه عنده براتب محترم بعد ان اعجب باتقانه في العمل ... و حكى لها عن المرأة بائعة الشاي و انه اشترى لها مثل ما اشترى لبيته ، لكنه لم يجدها ، فحزنت هي ايضا على حال تلك المرأة المسكينة .
 

في صباح اليوم التالي ذهب حسن الى عمله  و في طريقه مر على موقف الحافلات ، لكنه لم يجد المرأة بائعة الشاي ، ثم مر على موقف الحافلات و هو عائداً من عمله لكنه ايضاً لم يجدها و مرت على هذه الحال عدة ايام فكان حسن موفقا في عمله الذي رزقه الله اياه ، لكن الماً كان في نفسه لم يستطع ان ينساه و هو حزنه على تلك المرأة المسكينة ، المرأة بائعة الشاي التي لم يراها بعد ذلك ابداً. 
كاتب القصة يمني الجنسية مقيم في القاهرة – مصر
تليفون : 01142694356 - 00201142694356