أعلنت الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً عن توجهها لإعداد أول موازنة عامة للدولة منذ عام 2019، إذ أقرت تشكيل لجنة عليا لإعداد الموازنة، وتحديد رئيس وأعضاء اللجنة ومهامها واختصاصاتها وصلاحياتها، والمحددات الأساسية التي يجب مراعاتها في إعداد الموازنات العامة للعام المالي 2026.
منذ اتخاذ القرار في 28 يوليو/ تموز، لم يُلاحظ وجود أي تحركات أو إجراءات أو مؤشرات على أنها تمهد لإعداد الموازنة، في ظل صعوبات وتحديات وتعقيدات تعترض إعدادها، مع فقدانها موردها الأساسي الذي تعتمد عليه والمتمثل بإيرادات النفط المتوقف تصديره منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2022.
لكن الحكومة في الوقت نفسه، بحسب مصادر مطلعة، تدرس خيارات عدة معظمها صعبة ومكلفة لتعويض إيرادات النفط في حال تعثرت كل الجهود التي تستهدف إعادة تصديره، إضافة إلى تصدير الغاز الذي يعتبر أكثر صعوبة من النفط لعدم إخلاء ميناء بلحاف لتصدير الغاز الطبيعي المسال حتى الآن من التشكيلات العسكرية التي ترابط في الميناء، عدا عن أهمية الغاز لاستخدامات أخرى محلية.
تلفت المصادر "العربي الجديد" إلى أنه ليس هناك من خيارات متاحة سوى تحرير الريال الجمركي ورفع الرسوم الجمركية، واستعادة إيرادات أكثر من 100 جهة ومؤسسة عامة حكومية لا تقوم بتوريد إيراداتها إلى البنك المركزي في عدن، فضلاً عن الأزمة المثارة حالياً المتعلقة بكشوفات الإعاشة، وهي مخصصات شهرية بالدولار تُرسل إلى مئات المسؤولين والناشطين والشخصيات المحسوبة على الحكومة المعترف بها دولياً.
ويؤكد المستشار الاقتصادي في رئاسة الجمهورية فارس النجار، في تصريح لـ"العربي الجديد"، أن عملية إعداد موازنة عامة للدولة تصبح أكثر إلحاحاً عند غياب مورد النفط، لأنه في هذه الحالة يكون لديك موازنة عامة حقيقية مدارة نقدياً تستطيع من خلالها ضبط السيولة المتاحة، وتنفيذ عملك عن طريق خطط ربع سنوية عملية وواضحة، وضبط الإنفاق، وتحديد أولوياتك في الرواتب والخدمات، وإيجاد خطة واضحة للالتزامات الحتمية، ومنع الصرف خارج حدود الموازنة.
ويضيف: "صحيح أنّه تُعَدّ الموازنة من دون المورد النفطي، لكن هذه فرصة مهمة لتوحيد التوريد في خزانة الدولة، وتحسين رسوم الجمارك والضرائب خاصة على كبار المكلفين، وتعظيم الإيرادات من المنافذ والصادرات، وضبط كفاءة تحصيل الإيرادات".
أستاذ الاقتصاد بجامعة تعز محمد علي قحطان لا يعتبر توقف صادرات النفط والغاز حجة لتوقف الحكومة عن ممارسة أنشطتها طبقاً لقانون الموازنة العامة، إذ أن هناك مصادر مالية متعددة، وعائدات صادرات النفط والغاز إحداها، مشيراً في حديث لـ"العربي الجديد" إلى إمكانية قيام الحكومة بإصلاح وتشغيل مصافي تكرير النفط، والعودة إلى الوضع الذي كانت عليه قبل الحرب، فتغطى احتياجات السوق اليمني بالمشتقات النفطية من مصفاة التكرير، الأمر الذي من شأنه تعويض عائدات الصادرات بإيرادات من المشتقات النفطية المفترض إنتاجها وبيعها داخل البلاد.
ويشهد اليمن جدلاً واسعاً حول صرف مبلغ يتراوح بين 11 و12 مليون دولار مخصصات ما يسمى بـ"الإعاشة" تحوَّل بنكياً إلى حسابات المسؤولين الحكوميين المقيمين في الخارج (أكثر من 3000 شخص)، معظمهم لا يقومون بأي مهام أو أعمال وظيفية. الباحث الاقتصادي رشيد الحداد، يؤكد في هذا الخصوص، لـ"العربي الجديد"، أنّ هذا يعتبر استنزافاً للمال العام، ومن ثم استثمار ذلك على شراء الفلل والشقق الفاخرة في عدة دول خارج اليمن، بينما غالبية السكان يتضورون من الفقر والبطالة.