آخر تحديث :الأربعاء-04 فبراير 2026-05:53م
ملفات وتحقيقات

هديل.. ناجية من الحرب في اليمن تتعلم العيش بلا أطراف

الأربعاء - 04 فبراير 2026 - 04:31 م بتوقيت عدن
هديل.. ناجية من الحرب في اليمن تتعلم العيش بلا أطراف
(عدن الغد) أسامة عفيف – الحلّ نت:

في إحدى قاعات قسم الإعلام بجامعة تعز، تجلس هديل محمود، طالبة لا توحي ملامحها الصامتة بالضجيج الذي عبَر حياتها، سوى غياب يديها اللتين فقدتهما بعد سقوط قذيفة “حوثية” على منزلها، في الرابع من تموز/ يوليو 2017.

وتحمل قصة هديل في طياتها، كل عناصر التراجيديا الحزينة، لكنها في الوقت نفسه، مثال حي على “الولادة من تحت الأنقاض”، تلك الظاهرة التي صارت جزءاً من هوية تعز، مدينة الحرب والحصار.


وتطرح قصة هديل سؤالاً جوهرياً، عن إمكانية إعادة تعريف الحياة من جديد، في مجتمع يكاد يخلو من إي برامج للتأهيل والدعم للمعاقين.


وتشير التقديرات الحقوقية، إلى وجود مئات المدنيين الذين يعيشون بإعاقات دائمة في تعز، كما في معظم المدن اليمنية، نتيجة الحرب التي بدأتها جماعة “الحوثي” بانقلابها على الدولة اليمنية، في أيلول/ سبتمبر 2014.


طفولة انتهت بقذيفة “حوثية”

كانت هديل في الثانية عشرة من العمر، عندما أصابتها قذيفة سقطت على منزل أسرتها، في إحدى القرى الريفية بمحافظة تعز، جنوب غربي اليمن.

ولم تكن القرية التي تقطنها هديل على خط المواجهات، لكن الحرب في اليمن غالباً ما تمتد إلى المناطق المدنية، نتيجة القصف العشوائي وتوسع خطوط الاشتباك.


وأدت إصابة هديل البالغة إلى بتر يديها، ونٌقلت على الفور إلى المستشفى للخضوع لعمليات جراحية إسعافية.


تقول عائلتها إن هديل لم تدرك حجم إصابتها في الأيام الأولى، لكنها سرعان ما بدأت تتساءل عن مستقبلها الدراسي، وهو سؤال تحول لاحقاً إلى نقطة فاصلة في حياتها، ويعكس تحدياً يواجه آلاف الأطفال المصابين خلال الحرب، حول إمكانية بناء مستقبل حقيقي في ظل الإعاقة.


إعادة تعلم الحياة في مجتمع غير مهيأ

بعد خروجها من المستشفى، وجدت هديل نفسها في بيئة تفتقر تماماً إلى برامج الدمج، أو الدعم النفسي والاجتماعي المتخصص، تقول أسرتها إن ردود فعل الجيران، تراوحت بين التعاطف والشك في قدرتها على الاستقلال.

وجاء هذا الواقع، نتيجة تآكل المؤسسات الحكومية منذ 2014، بعد انقلاب “الحوثيين” الذي أدى إلى انهيار أنظمة الرعاية الصحية والاجتماعية، وغياب أي سياسات لدعم ذوي الإعاقة في التعليم والعمل.


ومع مرور الوقت، بدأت هديل تجربة طرق بديلة لممارسة حياتها اليومية، مستخدمة ما تبقى من أطرافها، ثم تعلمت الكتابة بقدميها، وهي مهارة استغرقت سنوات لتتمكن بعدها من العودة إلى الدراسة، قبل أن تبدأ بالكتابة بمرفقي يديها.


وهكذا أنهت هديل المرحلة الثانوية، بمعدل 95.5 في المئة، ثم التحقت بمعهد مهني لدراسة الحاسوب، وحصلت على معدل 99 في المئة.

لاحقاً اختارت هديل دراسة الإعلام، في جامعة تعز، مدفوعة برغبة في التعبير عن تجارب ضحايا الحرب ونقل أصواتهم، كما تروي لـ”الحل نت”.

ولكن قصة هديل، رغم قوتها، تكشف حجم الألم في واقع البلاد، حيث يضطر كثير من الناجين إلى بناء حياتهم بمجهود فردي، في ظل غياب منظومة دعم حقيقية.


نافذة على المأساة

هديل، التي فقدت يديها نتيجة قذيفة سقطت على منزل أسرتها، تمثل نموذجاً للآلاف الذين غيّرت الحرب مسار حياتهم إلى الأبد.

وفي هذا السياق، يقول عبد الرحيم القاسمي، مدير مركز الأطراف الصناعية والتأهيل الطبيعي في تعز، بأن “قصة هديل تمثل نموذجاً مؤثراً يعكس الواقع المأساوي الذي يعيشه ضحايا الحرب في اليمن”.


ويوضح القاسمي في تصريح خاص لـ”الحل نت”، أن المركز العلاجي يستقبل يومياً حالات مشابهة لأشخاص فقدوا أطرافهم، أو أصيبوا بإعاقات دائمة.


ويشير القاسمي إلى أن المركز، وهو الجهة التأهيلية الرئيسية في المحافظة والمناطق المجاورة، يعاني ضغطاً كبيراً نتيجة الإقبال المتزايد على خدماته، في ظل محدودية الموارد البشرية والمالية.

ويقدم المركز خدمات متكاملة تشمل الأطراف الصناعية، العكاكيز، الوسائل المساعدة، الدعم النفسي والتأهيلي، مع التنسيق لتوفير كراسي متحركة.

لكن المركز لا يزال يعمل بعدد محدود من الموظفين، مقارنة بالحاجة الفعلية، وهو ما يشير إلى حجم التحديات التي يواجهها الناجون في محاولة إعادة حياتهم.

ووفقاً للشبكة اليمنية للحقوق والحريات، قتلت وأصابت الألغام الأرضية وحدها أكثر من 6,400 مدني، بين عامي 2017 و2025، بينهم مئات الأطفال والنساء.

وتشير البيانات، إلى أن مئات الناجين يعانون إعاقات دائمة، بما في ذلك بتر الأطراف وفقدان البصر.

وتصف منظمات حقوقية هذه الكارثة، بأنها واحدة من أخطر أزمات الألغام عالمياً، نظراً لتأثيرها طويل الأمد على المجتمعات المحلية، خصوصاً في المناطق الريفية التي تعتمد على الزراعة والتنقل البري.

ويظهر انتشار الألغام في اليمن، كيف تحولت الحرب من صراع عسكري، إلى أزمة إنسانية مستمرة، حيث تستمر آثار الحرب في قتل وإعاقة المدنيين، حتى بعد توقف العمليات القتالية نسبياً.


الإعاقة.. شاهد حي على بشاعة الحرب

يشير المختصون إلى أن الإعاقة الناتجة عن النزاعات المسلحة، قضية سياسية ترتبط بقدرة الدولة على حماية مواطنيها، وإعادة دمجهم في المجتمع.

وفي اليمن، أدى الانقسام السياسي وتعدد مراكز السلطة، إلى غياب استراتيجية وطنية لرعاية ضحايا الحرب، ليصبح ملف ذوي الإعاقة، معتمد بالكامل على المبادرات المحلية، والدعم الإنساني الخارجي.


وخلقت حالة استمرار الحرب وتراجع مؤسسات الدولة، جيلاً كاملاً من المصابين، الذين يواجهون مستقبلهم بلا ضمانات تعليمية أو مهنية، ما يهدد بتحويل الإعاقة إلى عامل إضافي في تعميق الفقر والتهميش.


ويعكس تجاهل هذا الملف في المفاوضات السياسية، عمق الخلل في معالجة آثار الحرب، حيث تركز المفاوضات غالباً على وقف إطلاق النار وتقاسم السلطة، بينما يبقى ضحايا الحرب خارج الأولويات.


هديل.. قصة ملهمة تحكي النجاة من الموت

وبينما تواصل هديل اليوم دراستها الجامعية، محاولة بناء مستقبل مهني في الإعلام، توضح تجربتها عن قصة ملهمة في التكيف، لكنها تكشف في ذات الوقت، عن حجم الفجوة بين إرادة الناجين، وضعف البنية المؤسسية الداعمة لهم.

وفي تعز، كما في باقي مناطق اليمن، لم تٌكتب نهاية الحرب بعد، في حين تراوح جماعة “الحوثي” القصف العشوائي، مع تجدد المعارك على أسوار المدينة بين الحين والآخر، فيما يحاول المدنيون التعايش مع هذا الواقع المخيف.

وتؤكد قصة هديل، أن الحرب وإن انتهت ظاهرياً، فإنها تستمر في أعماق الناجين من الموت المحقق، وفي المجتمعات المدنية التي تحاول إعادة بناء نفسها أيضا، في ظل دولة منهكة، وحياة مفخخة بميليشيا الموت الجاثمة على صدر البلاد حتى اليوم.