طرحت الخبيرة في مجال الحوكمة والتحول السياسي وعمليات السلام، رشا جرهوم، رؤية سياسية جديدة تدعو إلى إعادة صياغة العلاقة بين الجنوب والشمال في اليمن، تقوم على أسس العدالة والكرامة الإنسانية واحترام الخصوصيات التاريخية والسياسية لكل طرف، بعيدًا عن الاستقطاب الحاد المرتبط بشعاري الوحدة والانفصال.
وأكدت جرهوم أن الخطاب السياسي اليمني ما يزال أسير مفاهيم مشحونة تُستخدم أحيانًا للتخوين أكثر من كونها أدوات لنقاش وطني مسؤول، مشيرة إلى أن المرحلة الحالية تتطلب قدرًا أكبر من المرونة السياسية والدبلوماسية لإيجاد حلول واقعية تلبي تطلعات المواطنين في الجنوب والشمال على حد سواء.
وأوضحت أن الوحدة بصيغتها الحالية لم تحقق الأهداف المرجوة، بل أسهمت في تعميق فجوة الثقة، داعية إلى التفكير في نظام حوكمة هجين أو صيغ تعاونية جديدة قد تشمل فيدرالية غير متماثلة في الجنوب ونموذجًا إداريًا متدرجًا في الشمال، إضافة إلى إمكانية إنشاء إطار اتحادي تعاوني بين الطرفين يركز على التكامل الاقتصادي والتعاون الأمني وحماية المصالح المشتركة.
كما شددت على أهمية إعادة الاعتبار للهوية اليمنية الجامعة باعتبارها هوية ثقافية وإنسانية تتسع للهويات المحلية المتعددة، مؤكدة أن حماية هذا التنوع لا تتعارض مع أي انتماءات مناطقية، بل تعززها ضمن إطار حضاري أوسع.
وأشارت جرهوم إلى أن نجاح أي صيغة سياسية مستقبلية يرتبط بشكل مباشر بتحسين حياة المواطنين، من خلال مكافحة الفساد، وتوفير الخدمات الأساسية، وصرف الرواتب بانتظام، ووقف استخدام الخدمات كورقة صراع سياسي، معتبرة أن هذه الخطوات تمثل أساس بناء الثقة والاستقرار.
وفي السياق ذاته، أكدت أن أي عملية سياسية جادة تحتاج إلى حوار منظم يبدأ داخليًا ثم يتوسع ليشمل جميع الأطراف، مع إمكانية قيام دور إقليمي داعم، خصوصًا من المملكة العربية السعودية، للمساعدة في رعاية التوافقات السياسية اللازمة.
واختتمت الخبيرة حديثها بالتأكيد على أن القضية لا تتعلق بالدفاع عن شعارات الوحدة أو الانفصال، بل بالبحث عن صيغة عادلة تمكّن الجميع من بناء أوطان تحمي الكرامة وتستوعب التنوع وتفتح الطريق نحو الاستقرار والتنمية.