في مشهد لم تعهده المدينة منذ سنوات، عاشت العاصمة المؤقتة عدن خلال عيد الفطر هذا العام حالة استثنائية من الانتعاش، بدت فيها المدينة وكأنها تستعيد روحها القديمة، وتفتح ذراعيها لموجة بشرية هائلة من الزوار الذين قدموا من مختلف المحافظات.
وبحسب بيانات وتصريحات رسمية صادرة عن مكتب السياحة، فقد تجاوز عدد الزوار الذين استقبلتهم عدن خلال الأيام الأولى من العيد حاجز المليون زائر، وهو رقم قياسي يعكس حجم التحول الذي شهدته المدينة هذا العام .
هذه الأرقام لم تكن مجرد إحصائيات، بل ترجمتها الشوارع المكتظة، والشواطئ الممتلئة، والمولات التي لم تهدأ طوال أيام العيد، في مشهد أعاد للأذهان صورة عدن كمدينة للحياة، لا مجرد مدينة تعيش على هامش الأزمات.
جولد مور… عودة المكان إلى ذاكرته
في جولد مور، كان المشهد مختلفًا تمامًا. آلاف العائلات تدفقت يوميًا إلى هذا الساحل الذي ظل لسنوات مغلقًا أو محدود الحركة، قبل أن يعود هذا العيد كأحد أبرز وجهات الناس.
الأطفال يركضون على الرمال، والشباب يلتقطون الصور، والعائلات تفترش الشاطئ حتى ساعات متأخرة، وكأن المكان يستعيد ذاكرته القديمة دفعة واحدة.
لم يكن جولد مور وحده، بل امتدت الحياة إلى كل الشواطئ، من أبين إلى البريقة، ومن التواهي إلى خور مكسر، حيث بدت عدن مدينة مفتوحة، تتنفس بحرها وتستعيد حضورها.
الأمن… الحكاية التي غيرت كل شيء
واحدة من أكثر النقاط التي أجمع عليها المواطنون كانت حالة الاستقرار الأمني.
انتشار أمني واسع، تنظيم لحركة السير، تواجد دائم للدوريات… كل ذلك صنع شعورًا عامًا بالطمأنينة، وهو ما شجع العائلات على الخروج لساعات طويلة دون قلق.
وفي هذا السياق، أكد مسؤولون في مكتب السياحة أن هذا الإقبال الكبير مرتبط بشكل مباشر بتحسن الوضع الأمني، الذي أعاد ثقة الناس بالمدينة كوجهة آمنة خلال المواسم .
الكهرباء… مفاجأة العيد
في مدينة عانت طويلًا من انقطاعات الكهرباء، كان هذا العيد مختلفًا.
الكهرباء حضرت بشكل أفضل، واستقرت لساعات أطول، وهو ما انعكس على كل شيء:
المنازل، الأسواق، المطاعم، وحتى الفعاليات الليلية التي استمرت دون انقطاع.
يقول أحد المواطنين في استطلاع أجرته صحيفة عدن الغد:
“أول مرة نحس إن العيد طبيعي… الكهرباء موجودة، والناس خارجة، والمدينة كلها حية”.
المولات والأسواق… اقتصاد يتحرك
المراكز التجارية شهدت زحامًا غير مسبوق، المحلات ممتلئة، والمطاعم تعمل حتى ساعات متأخرة، في مؤشر واضح على عودة النشاط الاقتصادي ولو بشكل نسبي.
يقول أحد أصحاب المحلات في المنصورة:
“هذا أفضل عيد مر علينا منذ سنوات… البيع تحسن بشكل كبير، والناس كانت تشتري وتخرج وتفرح”.
حفلات وفعاليات… عدن تغني من جديد
في مختلف مديريات المدينة، أقيمت حفلات فنية وفعاليات جماهيرية، شارك فيها فنانون محليون، وأعادت الأجواء الاحتفالية إلى الشوارع والساحات.
الأصوات، الأضواء، التجمعات… كل شيء كان يقول إن عدن قررت أن تفرح، رغم كل شيء.
محافظ عدن: رقم تاريخي يعكس عودة المدينة
من جهته، أكد محافظ عدن عبدالرحمن شيخ أن وصول عدد الزوار إلى نحو مليون خلال أيام العيد يمثل رقمًا تاريخيًا، ويعكس عودة المدينة إلى الواجهة، مشددًا على أن هذه النتائج جاءت بفضل الجهود المبذولة لتحسين الأمن والخدمات .
وأضاف أن هذا الإقبال الكبير سيدفع السلطة المحلية إلى مضاعفة الجهود للحفاظ على هذا المستوى من الاستقرار وتحسين الخدمات بشكل أكبر خلال المرحلة القادمة.
انطباعات الزوار… “عدن فاجأتنا”
في جولد مور، قال شاب قدم من إب:
“لم أتوقع أن أرى عدن بهذا الشكل… الأمان واضح، والناس مرتاحة، والجو جميل”.
في التواهي، تحدثت أسرة قادمة من تعز:
“قررنا نقضي العيد هنا، وكانت أفضل تجربة… الأطفال انبسطوا، ونحن شعرنا براحة لم نشعر بها منذ سنوات”.
أما أحد سكان عدن فقال:
“هذا العيد أعاد لنا الأمل… عدن ما زالت قادرة تعيش”.
عدن… ليست كما كانت، بل كما يجب أن تكون
ما حدث في هذا العيد لم يكن مجرد مناسبة عابرة، بل رسالة واضحة أن هذه المدينة قادرة على النهوض، وعلى استعادة مكانتها، متى ما توفر الحد الأدنى من الاستقرار والخدمات.
عدن هذا العيد لم تكن فقط مدينة استقبلت مليون زائر…
بل مدينة استعادت نفسها، ولو مؤقتًا… وذكّرت الجميع أنها، رغم كل شيء، ما زالت مدينة الحياة.