آخر تحديث :الثلاثاء-07 أبريل 2026-07:36م
ملفات وتحقيقات

من هندسة الموت إلى هندسة الحياة.. "مسام" نموذج للدور السعودي في اليمن

الثلاثاء - 07 أبريل 2026 - 06:00 م بتوقيت عدن
من هندسة الموت إلى هندسة الحياة.. "مسام" نموذج للدور السعودي في اليمن
تقرير/ عبدالكريم صلاح:

تُعدّ اليمن اليوم واحدة من أكثر دول العالم تلوثًا بالألغام الأرضية والعبوات الناسفة، في كارثة إنسانية وصفتها التقارير الدولية الصادرة عن تحالف العدالة من أجل اليمن بأنها "المأساة المدفونة" التي ستلازم اليمنيين لعقود طويلة. ومن خلال تحليل معمّق للتقارير الميدانية والبيانات الصادرة عن المنظمات الدولية ومراكز الأبحاث، مدعومًا بشهادات حية من الميدان، نستعرض في هذا التحقيق أبعاد هذه الكارثة، والكلفة البشرية والسياسية لاستخدام الألغام كأداة حرب وتجويع ضد المدنيين، مع تسليط الضوء على الدور المحوري للمملكة العربية السعودية في مواجهة هذا الخطر.

أولًا: حجم الكارثة وخارطة الموت الممتدة

تشير التقديرات الرسمية الصادرة عن الحكومة اليمنية وتقارير المركز الأمريكي للعدالة الصادرة في فبراير 2022 إلى أن جماعة الحوثي زرعت، منذ انقلابها في عام 2014، أكثر من مليونين ونصف المليون لغم أرضي وعبوة ناسفة في مختلف المحافظات. وما زالت مستمرة، إذ أفادت مصادر ميدانية في فبراير 2026 بنقل شاحنتين عسكريتين محمّلتين بالألغام من معسكر الصيانة في صنعاء إلى محافظة الجوف، ما يشير إلى استمرار عمليات الزراعة رغم الإدانات الدولية.

هذه الأرقام المخيفة وضعت اليمن في المرتبة الثالثة عالميًا من حيث عدد الضحايا، حيث تحولت مساحات شاسعة من البلاد إلى فخاخ مميتة تتربص بالأبرياء في القرى والمزارع. ويؤكد المزارع محمد عبدربه ناصر، الذي فقد ساقه في مأرب، أن الأرض التي كانت مصدر رزقه أصبحت سببًا في إعاقته الدائمة، وهو ما يعكس واقع ملايين السكان في 17 محافظة يمنية تلوثت بالألغام والمتفجرات، وفقًا لبيانات البرنامج الوطني للتعامل مع الألغام.

ثانيًا: الجغرافيا الملوثة وتصدر تعز والحديدة لقائمة الوجع

شمل التوزيع الجغرافي لزراعة الألغام معظم المحافظات اليمنية، وفقًا لتوثيق المرصد اليمني للألغام وتقارير مشروع "مسام"، حيث تركزت بكثافة عالية في محيط المدن المأهولة بالسكان.

وتحتل محافظة تعز المرتبة الأولى من حيث التضرر، مع تلوث 18 مديرية بالألغام الأرضية، سواء المضادة للأفراد أو للدبابات، تليها محافظة الحديدة التي شهدت زراعة مكثفة للألغام البرية والبحرية.

ويصف الصياد أحمد علي من منطقة اللحية حجم المأساة بقوله: "كان البحر يعني كل شيء للمجتمع، لكن الحرب جعلت الناس فريسة سهلة للجوع بعد تلغيم السواحل"، وهو ما أكده المهندس أسامة القصيبي، مدير مشروع "مسام"، محذرًا من مخاطر الألغام البحرية في مضيق باب المندب.

ثالثًا: الضحايا.. أرقام تنطق بالألم وتستهدف براءة الطفولة

خلال الفترة من 2018 وحتى مارس 2026، سُجلت وفاة 1367 شخصًا وإصابة 1622 آخرين جراء حوادث الألغام والعبوات الناسفة، 30.44% منهم أطفال، وفق إحصائيات منظمة "ميون" لحقوق الإنسان، التي حذّرت من تفاقم مخاطر الألغام.

وتكشف دراسة لمنظمة "رعاية الأطفال" الصادرة في مارس 2023، بعنوان "إرث أطفال اليمن القاتل"، أن طفلًا يمنيًا يسقط كل يومين بسبب الألغام.

وتبرز قصة الطفل عبدالفتاح القفيلي (14 عامًا) كواحدة من هذه المآسي، إذ انفجر به لغم ظنه لعبة أثناء توجهه للمدرسة، ليعيش اليوم بطرف صناعي وبدون طحال.

وفي حادثة أخرى بمديرية حيفان في تعز، قُتل طفل وأصيب آخر بجروح قاتلة إثر انفجار لغم أثناء لعبهما، في مشهد مأساوي يعكس حجم الخطر الكامن تحت التراب، حيث تتحول لحظات الطفولة إلى مآسٍ دامية في ثوانٍ.

رابعًا: وجوه خلف الأرقام.. قصص من مشفى الوجع الممتد

خلف الإحصائيات الصماء، تقف ملامح بشرية تنطق بالوجع. يروي يوسف مقبل، الذي فقد ساقيه، كيف تحول من معيل لأسرته إلى شخص عاجز، بينما تتحدث الستينية كاتبة محمد عن فقدانها ساقها ومقتل ثلاثة من أقاربها إثر انفجار لغم بسيارتهم.

هذه الشهادات تؤكد أن الألغام لا تقتل الأجساد فقط، بل تدمر الأسر وتقتلع جذور الاستقرار الاجتماعي.

خامسًا: الألغام كسلاح تجويع متعمد ضد المدنيين

أثبتت تحقيقات استقصائية أن الألغام استُخدمت كسلاح تجويع ممنهج، حيث يقول المواطن وحيد زيد إن زراعة الألغام دون خرائط جعلت الأرض نفسها مصدر تهديد، ما أدى إلى توقف الرعي والزراعة.

هذا الاستهداف المتعمد للأراضي الزراعية ومناطق الرعي، خصوصًا في الساحل الغربي، حرم السكان من مواردهم الأساسية، ودفعهم نحو الفقر والجوع.

سادسًا: تعطيل شريان الحياة واستهداف منشآت الغذاء والمياه

لم تقتصر الأضرار على الأرض، بل طالت منشآت الغذاء والمياه، حيث وثّقت تقارير استهداف مرافق حيوية، منها مطاحن البحر الأحمر في الحديدة، ومشاريع مياه في صعدة، ما فاقم معاناة السكان وأجبرهم على تحمل تكاليف إضافية للحصول على أبسط مقومات الحياة.

سابعًا: التكنولوجيا القاتلة وهندسة التمويه الإجرامية

تطورت أساليب زرع الألغام لتشمل تقنيات حديثة تعمل بالمستشعرات، إضافة إلى تمويهها بأشكال خادعة كالألعاب والأحجار، ما يجعل الأطفال أكثر عرضة للخطر، ويعكس نية مبيتة لإيقاع أكبر عدد من الضحايا المدنيين.

ثامنًا: الشلل الاقتصادي وتدمير الممتلكات

تسببت الألغام في دمار اقتصادي واسع، شمل تدمير وسائل نقل ونفوق مواشٍ وتدمير قوارب صيد، ما دفع آلاف الأسر إلى حافة الفقر، خاصة في المناطق الريفية والساحلية.

تاسعًا: وقفة الشموخ.. الدور السعودي ومشروع "مسام"

في خضم هذه المأساة، برز الدور الإنساني للمملكة العربية السعودية من خلال مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، الذي أطلق مشروع "مسام" في منتصف عام 2018 كأحد أكبر مشاريع نزع الألغام في العالم.

وتمكن المشروع، حتى 3 أبريل 2026، من تطهير 78,217,892 مترًا مربعًا من الأراضي، ونزع أكثر من 386,140 ذخيرة غير منفجرة، و8,418 عبوة ناسفة، و150,731 لغمًا مضادًا للدبابات، و7,131 لغمًا مضادًا للأفراد.

ويمثل هذا الجهد الإنساني نموذجًا عالميًا في إنقاذ الأرواح وإعادة الحياة للمناطق المتضررة، رغم التضحيات الكبيرة التي قدمها العاملون فيه.

عاشرًا: جدار الصمت الدولي وغياب خرائط الألغام

تتفاقم الأزمة مع رفض تسليم خرائط الألغام، في انتهاك لاتفاقية أوتاوا، ما يحول الملف إلى ورقة ضغط سياسية ويعرقل عودة النازحين، ويعرض حياتهم للخطر.

حادي عشر: تحديات التأهيل الطبي وغياب العدالة

تعاني مراكز الأطراف الصناعية من ضغط كبير، مع نقص الدعم النفسي والاجتماعي للضحايا، في ظل غياب تمثيلهم في مسارات السلام، ما يزيد من معاناتهم اليومية.

ثاني عشر: المسؤولية القانونية وخلاصة المشهد

تؤكد تقارير دولية أن استخدام الألغام بهذه الصورة يمثل جريمة حرب مكتملة الأركان، تستوجب تحركًا دوليًا جادًا لمحاسبة المسؤولين وضمان عدم إفلاتهم من العقاب.

لقد تحولت الألغام في اليمن إلى خطر صامت يهدد حياة الأبرياء ويقوض سبل العيش، ما يجعل تطهير البلاد منها ضرورة إنسانية ملحّة لا تحتمل التأجيل.

وفي هذا السياق، يواصل مشروع "مسام" معركته الإنسانية، حاملاً رسالة إنقاذ وأمل، ومجسدًا أسمى معاني العطاء، في سبيل يمنٍ خالٍ من الألغام، ينعم أبناؤه بالأمن والسلام والكرامة.