في زاوية من الذاكرة الشعبية، حيث تختلط العادات بالتفاصيل اليومية، تبرز حكايات الماضي بوصفها مرآة لهوية المجتمعات وتقاليدها. وفي هذه الحلقة من “هواجس الشتيت الثقافية”، يفتح الشتيت أبونصر اليافعي نافذة على واحدة من أبرز المظاهر الاجتماعية المرتبطة بالمظهر الخارجي لدى رجال وأطفال يافع في الزمن القديم، حيث لم تكن الحلاقة مجرد عادة، بل طقسًا يحمل دلالات اجتماعية وثقافية عميقة.
كما هو الحال في كل زمان، كان للمجتمعات أساليبها الخاصة في الأناقة والعناية بالمظهر، تختلف باختلاف البيئة والإمكانات، لكنها تظل تعكس روح العصر. وفي يافع قديمًا، برزت “الغُرز” و”القصلة” كأحد أبرز هذه الملامح التي ميّزت الرجال والأطفال، وحملت في طياتها مزيجًا من الضرورة والرمزية.
ففي مرحلة الطفولة، كان ما يُعرف بـ”الغُرز” – أو كما يُنطق محليًا “الأُرز” – تقليعة شائعة، حيث يتم حلق شعر الرأس بالكامل بشكل دوري، مع ترك خصلة صغيرة في أعلى مؤخرة الرأس. هذه الخصلة لم تكن عبثية، بل ارتبطت باعتبارات صحية وأمنية، في ظل بدائية أدوات الحلاقة آنذاك، مثل “العطيف”، وهو سكين حاد يُستخدم لجز الشعر. وكان يُعتقد أن ترك هذه المنطقة دون حلاقة يحمي الطفل، خصوصًا أن تلك البقعة تُعرف علميًا بـ”اليافوخ”، وهي منطقة رخوة في الجمجمة لدى الأطفال.
ولم تكن المسألة خالية من الطرافة، إذ كانت تُنسج حولها حكايات شعبية لتخويف الأطفال من إهمال الحلاقة، من بينها أن “القمل” قد يسحب الطفل إلى “بير العمياء” أثناء نومه، وهي حكاية ظل صداها في ذاكرة الكثيرين ممن عايشوا تلك المرحلة.
كما ارتبطت هذه العادة بطقوس أخرى، مثل دهن الرأس بزيت السمسم أو الدهن الحيواني بعد الحلاقة، مع تحذيرات تقليدية من الخروج دون ذلك، خوفًا من الإصابة بأمراض جلدية، في مزيج يعكس فهمًا بسيطًا للوقاية الصحية.
وكانت لحظة التخلص من “الغُرز” تمثل محطة فارقة في حياة الطفل، حيث يتم حلقها عند بلوغه سن السادسة أو السابعة، غالبًا في مناسبة اجتماعية أشبه بالاحتفال، تشارك فيها الأسرة وتُعد رمزًا للانتقال من مرحلة الطفولة إلى طور جديد من العمر.
أما لدى الرجال، فكانت “القصلة” عنوانًا للأناقة والهيبة، وهي خصلة من الشعر تُربط أعلى الرأس، وتظهر من بين العمامة، خاصة خلال الرقصات الشعبية والسمرات، حيث تتمايل مع حركة الجسد في مشهد يعكس الفخر والاعتداد بالنفس. وقد ارتبطت هذه الهيئة بمظاهر الرجولة التقليدية، إلى جانب حمل “الجنابي” والسيوف، التي كانت جزءًا من المشهد الثقافي والاجتماعي.
ولم يقتصر الاهتمام بالمظهر على الشعر فحسب، بل امتد إلى اللحية والشارب، حيث استخدمت أدوات تقليدية مثل “المنطب” لتحديد اللحية بشكل دقيق، وغالبًا ما كانت تُرسم بخط متقوس يحيط بأسفل الوجه، في حين يُقص الشارب مع ترك جزء صغير أسفل الأنف، في تفاصيل تعكس ذائقة جمالية خاصة بتلك المرحلة.
هذه العادات، وإن بدت غريبة بمقاييس اليوم، إلا أنها تمثل جزءًا من إرث ثقافي غني، يعكس كيف تعامل الإنسان مع بيئته وإمكاناته، وكيف صاغ من البساطة أسلوب حياة متكامل. وهي تذكير بأن لكل زمن ملامحه، ولكل جيل حكاياته التي تستحق أن تُروى، لا بوصفها مجرد ذكريات، بل كجذور تمتد في عمق الهوية.