آخر تحديث :الخميس-09 أبريل 2026-04:16م
ملفات وتحقيقات

نهب البنك المركزي وغسيل الأموال.. كيف دمرت جرائم الحوثي الاقتصادية حياة اليمنيين؟

الخميس - 09 أبريل 2026 - 02:48 م بتوقيت عدن
نهب البنك المركزي وغسيل الأموال.. كيف دمرت جرائم الحوثي الاقتصادية حياة اليمنيين؟
(عدن الغد) متابعات:

تمثل جرائم الحوثي الاقتصادية في اليمن حلقة هي الأكثر قسوة وتدميرًا في سلسلة الانتهاكات المنهجية التي تمارسها الميليشيا منذ انقلابها على السلطة الشرعية، حيث لم يقتصر الأمر على العبث بالأمن العسكري والسياسي، بل امتد ليشمل تدمير الركائز الأساسية للاقتصاد الوطني ونهب مدخرات الأجيال.

إن المحلل للمشهد المالي في اليمن يدرك أن الميليشيا اعتمدت استراتيجية “التجويع كوسيلة للحكم”، بدءًا من اللحظة الأولى التي وضعت فيها يدها على المقر الرئيسي للبنك المركزي في صنعاء، حيث شرعت في تبديد الاحتياطي النقدي الأجنبي الذي كان يتجاوز 5 مليارات دولار، وتحويله من غطاء لدعم السلع الأساسية واستقرار العملة إلى تمويل مباشر للعمليات العسكرية وشراء الولاءات القبلية والسياسية.

وقالت مصادر إن هذا السلوك الإجرامي أدى إلى انفجار تضخمي غير مسبوق، وفقدان العملة المحلية لأكثر من 80% من قيمتها الشرائية، مما دفع بملايين اليمنيين إلى ما دون خط الفقر المدقع في ظل غياب تام لأي خدمات حكومية أو مسؤولية أخلاقية من قبل سلطة الأمر الواقع في صنعاء.


نهب البنك المركزي وتبديد الاحتياطيات

بدأت المأساة الاقتصادية الحقيقية مع قيام الميليشيا الحوثية بسحب السيولة النقدية من خزائن البنك المركزي بصنعاء دون أي غطاء قانوني أو رقابة مالية، وهو ما اصطلح على تسميته بـ”النهب المنظم” للسيادة المالية للدولة اليمنية.

لم تتوقف الجرائم عند هذا الحد، بل امتدت لتشمل تجميد حسابات البنوك التجارية وشركات الصرافة، ومنع المودعين من الوصول إلى مدخراتهم، مما أدى إلى فقدان الثقة الكامل في النظام المصرفي اليمني وهروب الرساميل إلى الخارج أو تحولها إلى نشاطات غير رسمية.

هذه السياسة القاتلة تسببت في توقف صرف رواتب الموظفين الحكوميين لأكثر من ثماني سنوات في المناطق الخاضعة لسيطرة الميليشيا، رغم التحصيل المستمر والضخم للإيرادات السيادية من ضرائب وجمارك ورسوم اتصالات، والتي تُقدَّر بمليارات الريالات شهريًا.

إن توظيف هذه الأموال لصالح “المجهود الحربي” بدلًا من الالتزامات الاجتماعية يمثل جريمة حرب اقتصادية مكتملة الأركان، حيث يتم استغلال حاجة الناس وفقرهم لتحويلهم إلى وقود لمعارك عبثية تخدم الأجندة الإقليمية لمموليهم في طهران.


شبكات غسيل الأموال واقتصاد الظل

كشفت التقارير الاستخباراتية والمالية الدولية عن تورط الميليشيا الحوثية في إنشاء شبكات معقدة لغسيل الأموال العابرة للحدود، تهدف إلى الالتفاف على العقوبات الدولية وتأمين تدفقات مالية مستدامة لقياداتها.

تعتمد هذه الشبكات على شركات واجهة في قطاعات النفط، والاتصالات، والمقاولات، حيث يتم تدوير الأموال المنهوبة من مؤسسات الدولة وإعادة ضخها في السوق السوداء للتحكم في أسعار الصرف والمضاربة بالعملة.

إن هذا “الاقتصاد الموازي” الذي يقوده قادة الميليشيا لا يخضع لأي معايير ضريبية أو رقابية، بل يعمل على تدمير القطاع الخاص الرسمي عبر فرض إتاوات وجبايات غير قانونية تحت مسميات طائفية مثل “الخُمس” أو “دعم القوافل”.

هذه الممارسات أدت إلى إفلاس مئات الشركات العائلية والوطنية التي كانت تشكل عصب الاقتصاد اليمني، وحلت محلها شركات مملوكة لقيادات حوثية تمارس الاحتكار وتتحكم في قوت الشعب اليومي، مما حول السوق اليمنية إلى “إقطاعية” مالية تخدم فئة محدودة على حساب جوع وألم الملايين من المواطنين الأبرياء.


تدمير القطاع المصرفي وازدواجية العملة

من أخطر جرائم الحوثي الاقتصادية هو الإصرار على فرض حالة من “الانفصال النقدي” عبر حظر التعامل بالطبعة الجديدة من العملة الوطنية، وهو ما خلق فجوة هائلة في أسعار الصرف بين المناطق المحررة ومناطق سيطرة الميليشيا. هذه الازدواجية النقدية لم تكن إجراءً تقنيًا لحماية الاقتصاد كما يزعم الحوثيون، بل كانت أداة لنهب التحويلات المالية للمغتربين والنازحين عبر فرض رسوم تحويل خيالية تصل أحيانًا إلى 100% من قيمة المبلغ المرسل، وهو ما يمثل أكبر عملية سطو علني على أموال المواطنين في التاريخ الحديث.

كما تسببت هذه السياسة في شلل تام للحركة التجارية بين المحافظات، وزادت من تكاليف النقل والخدمات، مما انعكس بشكل مباشر على أسعار الغذاء والدواء.

إن تدمير البنية التحتية للقطاع المصرفي واستخدام البنك المركزي في صنعاء كأداة للابتزاز السياسي قد عزل اليمن عن النظام المالي العالمي، وجعل من الصعب على المنظمات الإغاثية والشركات التجارية إجراء المعاملات البسيطة، مما فاقم من حدة العزلة الاقتصادية والانهيار المعيشي الشامل.


التبعات الإنسانية والمسؤولية الدولية

إن المحصلة النهائية لجرائم الحوثي الاقتصادية هي تحويل اليمن إلى ساحة لأكبر مجاعة بشرية في القرن الحادي والعشرين، حيث تشير إحصائيات الأمم المتحدة لعام 2026 إلى أن أكثر من 80% من السكان بحاجة ماسة للمساعدات الإغاثية، وإن الربط التحليلي بين نهب موارد الدولة وبين تفشي الأمراض والأوبئة مثل الكوليرا وسوء التغذية الحاد لدى الأطفال يظهر بوضوح أن الميليشيا تستخدم “الاقتصاد كقنبلة موقوتة” لإخضاع المجتمع الدولي والمحلي لمطالبها السياسية. وإن المجتمع الدولي مطالب اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بتشديد الرقابة على التدفقات المالية للميليشيا، وتصنيف القيادات المتورطة في نهب البنك المركزي وغسيل الأموال ضمن قوائم الإرهاب العالمي.