في مشهد يعكس عمق الأزمة الاقتصادية التي تعيشها البلاد، تتقاطع معاناة تأخر الرواتب مع موجة ارتفاع الأسعار، لتشكل عبئاً مركباً على حياة المواطنين في العاصمة المؤقتة عدن. فبين دخل متوقف أو متأخر، وتكاليف معيشة تتصاعد بوتيرة متسارعة، يجد الموظفون، مدنيين وعسكريين، أنفسهم في مواجهة يومية مع واقع اقتصادي قاسٍ يعيد تشكيل تفاصيل حياتهم.
تأخر صرف الرواتب لم يعد مجرد أزمة عابرة، بل تحول إلى ظاهرة مزمنة أثرت على مختلف قطاعات الدولة. الموظف الذي كان يعتمد على راتبه الشهري لتغطية احتياجاته الأساسية، أصبح اليوم يعيش في حالة من القلق المستمر، ينتظر موعداً غير محدد للصرف، في وقت لا تنتظر فيه الأسعار أحداً.
ومع قرار رفع أسعار الوقود مؤخراً، تضاعفت الضغوط بشكل غير مسبوق. فارتفاع البنزين والديزل لا يؤثر فقط على كلفة التنقل، بل يمتد إلى أسعار الغذاء والخدمات، ما يجعل أي تأخير في الرواتب أكثر إيلاماً، لأن الفجوة بين الدخل والمصروفات تتسع بشكل خطير.
اقتصادياً، يؤدي تأخر الرواتب إلى انكماش السيولة في الأسواق، حيث تتراجع القدرة الشرائية لآلاف الأسر، ما ينعكس مباشرة على حركة البيع والشراء. وعندما يتزامن ذلك مع ارتفاع أسعار الوقود، تتشكل حلقة ضغط مزدوجة: انخفاض في الدخل من جهة، وارتفاع في النفقات من جهة أخرى.
في هذا السياق، يقول الموظف الحكومي أحمد ناصر محمد، إن “الراتب هو المصدر الوحيد للدخل، وعندما يتأخر، تتوقف الحياة تقريباً. الآن مع ارتفاع الوقود، أصبحت المصاريف مضاعفة، بينما الدخل غير موجود”.
ويضيف أحمد ناصر محمد أن “نحن لا نطلب زيادة، بل فقط انتظام الصرف. لأن أي تأخير يعني ديون جديدة، والتزامات تتراكم علينا بشكل يومي”.
ويختم أحمد ناصر محمد حديثه بالقول إن “الوضع أصبح مرهقاً نفسياً قبل أن يكون مادياً، لأن الإنسان لا يعرف كيف سيدبر يومه أو يواجه التزاماته”.
في صفوف العسكريين، تبدو الصورة أكثر تعقيداً، حيث يعتمد كثير منهم على رواتبهم بشكل كامل، في ظل غياب مصادر دخل إضافية.
يقول الجندي محمد صالح عبدالكريم، إن “نحن في الميدان ونؤدي واجبنا، لكن في المقابل نعاني من تأخر الرواتب. ومع ارتفاع الوقود، أصبحت حتى المواصلات من وإلى مواقع العمل عبئاً”.
ويضيف محمد صالح عبدالكريم أن “بعض الجنود يضطرون للاستدانة أو الاعتماد على أسرهم، وهذا وضع لا يليق بمن يخدمون في ظروف صعبة”.
ويختم محمد صالح عبدالكريم حديثه بالقول إن “الاستمرار في هذا الوضع قد يؤثر على معنويات الأفراد، لأن الاستقرار المعيشي جزء أساسي من أداء أي جندي”.
أما في الأسواق، فإن غياب الرواتب يعني تراجعاً واضحاً في الحركة التجارية، حيث يعتمد كثير من التجار على رواتب الموظفين كمصدر أساسي للسيولة.
يقول التاجر عبدالرحمن أحمد صالح، إن “عندما تتأخر الرواتب، نشعر بذلك مباشرة في السوق. الحركة تتوقف، والناس تشتري فقط الضروريات، وأحياناً بالدين”.
ويضيف عبدالرحمن أحمد صالح أن “الآن مع ارتفاع الوقود، الوضع أصبح أصعب، لأن الأسعار ارتفعت، والزبون لا يملك المال، وهذا يؤدي إلى ركود كبير”.
ويختم عبدالرحمن أحمد صالح حديثه بالقول إن “استمرار هذا الوضع سيؤثر على الجميع، التاجر والمواطن، لأن السوق قائم على التوازن بين الدخل والإنفاق”.
في حياة الأسر، تتجسد الأزمة بشكل أكثر وضوحاً، حيث تتحول الأولويات إلى معركة يومية لتأمين الاحتياجات الأساسية.
تقول فاطمة محمد عبده، ربة منزل من الشيخ عثمان، إن “عندما يتأخر راتب زوجي، نضطر لتقليل كل شيء، من الأكل إلى المواصلات. والآن مع ارتفاع الوقود، أصبح الوضع أصعب بكثير”.
وتضيف فاطمة محمد عبده أن “نلجأ أحياناً للاستدانة من الأقارب أو البقالة، لكن هذا ليس حلاً دائماً، لأن الديون تتراكم”.
وتختم فاطمة محمد عبده حديثها بالقول إن “أكبر خوف لدينا هو استمرار هذا الوضع، لأننا لا نملك أي مصدر دخل آخر”.
من زاوية اقتصادية أوسع، فإن استمرار تأخر الرواتب بالتزامن مع ارتفاع الأسعار يهدد بتوسيع دائرة الفقر، حيث تنزلق شرائح جديدة من المجتمع إلى ما دون خط الكفاف. كما يؤدي ذلك إلى زيادة الاعتماد على الاقتصاد غير الرسمي، حيث يبحث الأفراد عن مصادر دخل بديلة، غالباً ما تكون غير مستقرة.
كما أن هذا الواقع ينعكس على الاستقرار الاجتماعي، حيث يؤدي الضغط المعيشي إلى زيادة التوتر داخل الأسر، وربما ارتفاع معدلات الجريمة أو النزاعات، نتيجة العجز عن تلبية الاحتياجات الأساسية.
ويرى مختصون أن معالجة هذه الأزمة تتطلب خطوات متزامنة، أبرزها انتظام صرف الرواتب، ووضع سياسات تحد من تأثير ارتفاع الأسعار، خاصة في قطاع الوقود الذي يشكل المحرك الأساسي للتضخم.
في المحصلة، يجد المواطن نفسه اليوم بين مطرقة تأخر الرواتب وسندان ارتفاع الأسعار، في معادلة صعبة تهدد استقراره المعيشي والنفسي. وبينما تستمر هذه الضغوط، يبقى الأمل معلقاً على حلول حقيقية تعيد التوازن بين الدخل والإنفاق، وتمنح الناس فرصة للعيش بكرامة في ظل واقع يزداد تعقيداً يوماً بعد آخر.
غرفة الأخبار / عدن الغد