يمضي الأحبّة، وتبقى التفاصيلُ المضيئة من سيرتهم هي الجسر الأصدق لاستعادتهم، وكأن الذاكرة لا تكتفي باسترجاع الأسماء، بل تستدعي الظلال التي تركوها في الأرواح، والملامح التي لم تستطع الأيام أن تمحوها. ومن ذلك الأفق الممتد أستعيد صديقي العزيز؛ الشاعر الغنائي أحمد علي حميد النصري —رحمه الله وغفر له— أحد أبناء حوطة لحج وسليل أصالة السلطنة العبدلية، الذي جمعتني به صداقةٌ في وزارة الثقافة والسياحة مطلع الثمانينيات من القرن الماضي؛ فكانت تلك العلاقة فضاءً من الألفة الإنسانية، ووشيجةً من الودّ الخالص الذي استقرّ في الوجدان، وظلّ ممتدًا كخيطٍ من نورٍ هادئٍ لا ينقطع.
كان النصري في حضوره الإنساني كما في حضوره الشعري كائنًا مفعمًا بالسكينة؛ لطيف المعشر، متزن الخطى، عميق الإحساس، لا يندفع نحو الضوء، بل يترك للبصمة أن تكتشف طريقها إلى القلوب في هدوءٍ يشبه انسياب الماء في مجراه الطبيعي. كان يميل إلى الصمت المضيء أكثر من الضجيج، وإلى الإشارة العميقة أكثر من التصريح المباشر، وكأن كلماته تُصاغ على مهلٍ لتستقر في الذاكرة لا في اللحظة العابرة.
وفي محيط العمل، كان يحضر بوقارٍ ساكن ونُبلٍ فطري، لا يرفع صوته، لكنه يترك وقعه في التفاصيل الصغيرة التي لا يلتفت إليها إلا من يقرأ الإنسان قبل الموقف. كان يرى في الثقافة امتدادًا للروح، وفي الكلمة مسؤولية تتجاوز حدود الوظيفة إلى فضاءٍ أرحب من التنوير والجمال؛ لذلك كان تعامله مع النص فعلَ التزامٍ داخلي قبل أن يكون صناعةً فنية.
تتجلّى فرادة تجربته في أعمالٍ غنائيةٍ رسّخت حضورها في الذاكرة الفنية الجمعية، من أبرزها «دقّ القاع دقّه» التي أدّتها الفنانة رجاء باسودان، ثم أعادت تقديمها الفنانة فتحية الصغيرة، و«رخصة شِلّ حبّة من دول العنب» التي أدّاها الفنان عبدالكريم توفيق، وقد صاغ ألحان هذه الأعمال الأمير محسن بن أحمد مهدي —نسأل الله تعالى أن يتغمّدهم جميعًا بواسع رحمته ومغفرته ورضوانه. وفي هذا التلاقي المتناغم بين الكلمة واللحن والأداء، تتكشف قدرة النصري على التقاط نبض الحياة اليومية، وإعادة تشكيله في قوالب فنية رشيقة، تنبض بالقرب من وجدان الناس، وتغوص في عمق تجربتهم الإنسانية، محافظةً في الوقت ذاته على جماليات التعبير وصدق الأثر.
ولم تكن هذه الأعمال مجرد أغانٍ تُتداول، بل كانت امتدادًا لطريقة النصري في رؤية العالم؛ إذ كان يلتقط من الحياة نبضها اليومي، ويعيد صياغته في صورةٍ فنيةٍ قريبة من الناس دون أن تفقد عمقها. كانت نصوصه تميل إلى التقاط التفاصيل الصغيرة التي تبدو عابرة في ظاهرها، لكنها تحمل في داخلها حرارة التجربة الإنسانية وصدقها غير المتكلّف.
وقد عاش النصري تلك المرحلة منسجمًا مع ذاته إلى حدٍّ لافت، فلا انفصال بين ما يكتبه وما يعيشه، وكأن شخصيته امتدادٌ طبيعي لقصيدته، أو أن قصيدته مرآةٌ صافية لروحه. كان هادئ الحضور، دافئ المعشر، تنطق سجاياه بمعدنٍ أصيل يغني عن كثرة الوصف، ويجعل من القرب منه تجربةً إنسانيةً خفيفة الظل عميقة الأثر في آنٍ واحد.
وظلّ في داخله أثر أستاذه عبدالله هادي سُبيت، الذي غرس فيه منذ البدايات تقدير جمال اللغة وبهائها، وتعليمها بوصفها مسؤولية قبل أن تكون مهارة. وقد حمل النصري هذا القبس بعنايةٍ ووفاء، فانعكس في اختياره للكلمات، وفي ميله إلى الصياغة التي تجمع بين الرصانة والدفء، وبين البساطة والعمق، حتى غدت بصمته مميزة لا تختلط بغيرها.
غادر دنيانا بهدوءٍ عام 1997 —رحمه الله وغفر له وأسكنه فسيح جناته— لكن حضوره لم ينقطع؛ إذ بقي ممتدًا في الأغنيات التي تتردد على الألسن، وفي الذكرى التي لا تخبو، وفي تلك اللحظات التي يستعيد فيها القلب أسماء من مرّوا خفافًا لكنهم تركوا صدىً ثقيل المعنى. بقي النصري في الذاكرة لا بوصفه اسمًا فقط، بل بوصفه تجربة إنسانية وفنية متكاملة، تعيد تعريف معنى الحضور حتى بعد الغياب.
رحم الله صديقي أحمد علي حميد النصري، فقد كان على خُلقٍ رفيعٍ ونفسٍ هادئةٍ مهيبة، وترك من المآثر ما يجعل الفقد أقلّ قسوة، ومن الجمال ما يجعل الذكرى أقرب إلى حياةٍ ثانيةٍ لا تنطفئ.