في نزل "أفريقيا" العريق، الرابض في قلب العاصمة تونس النابض بالحياة، كان لي موعدٌ مع الإبداع في أنقى تجلياته، حيث التقيت بالروائي السعودي (النابغة) أحمد بن عبدالعزيز السماري (أبو يوسف). لم يكن اللقاء مجرد حوار عابر بين صديقين، بل كان رحلة سبرٍ لغور تجربة روائية استثنائية، وقوفاً عن قرب أمام قلمٍ برهن أن الإبداع لا يعترف بحدود الزمان، وأن فجر الكتابة قد يشرق بأبهى أنواره بعد سن الخمسين.
لقد خضنا في حوار رائع استعرضنا فيه ملامح تجربته التي انطلقت بنضجٍ لافت، متوقفين عند محطتين إبداعيتين شكلتا علامة فارقة في المشهد الروائي المعاصر؛ الأولى رواية "القنطرة" التي استطاعت ببراعة سردها أن تقتحم عالم السينما وتنتزع جوائزها، والثانية هي درة أعماله الأخيرة "فيلق الإبل" (دار تشكيل 2025).
في رواية "فيلق الإبل"، يستنطق السماري التاريخ المنسي لقوافل الجمال التي عبرت المحيطات في منتصف القرن التاسع عشر من الشرق إلى براري أمريكا، في مغامرة أنثروبولوجية أعاد السماري صياغتها برؤية أدبية مذهلة، جعلتها تتبوأ المركز الأول في اهتمامات القراء على منصات التواصل لعام 2025.
إن ما يميز تجربة الصديق "أبو يوسف" ليس فقط عضويته في جمعية الأدب المهنية أو صالون الخيَال، ولا وصول أعماله مثل "الصريم" و"ابنة ليليت" إلى القارئ الغربي مترجمة بالإنجليزية، بل هو ذلك الإصرار على تطويع الخبرة الحياتية العميقة لتصبح نصاً أدبياً نابضاً. لقد تجلى لي في حديثنا أن كتابته بعد الخمسين هي سرّ قوتها؛ فهي كتابةُ من عاش وتأمل ثم قرر أن يسكب الحكمة في قوالب سردية، مجسداً شعاره المفضل لبنجامين فرانكلين: "إما أن تكتب شيئاً يستحق القراءة، أو تفعل شيئاً يستحق الكتابة".
خرجتُ من هذا اللقاء وأنا أحمل تقديراً كبيراً لهذا الراوي الفذ الذي يثبت يوماً بعد يوم أن الموهبة حين تمتزج بالنضج، تخلق عالماً موازياً من الجمال والدهشة. إن تجربة أحمد السماري هي دعوة لكل المبدعين بأن الحلم لا يشيخ، وأن الحكايات العظيمة تنتظر دائماً من يمتلك الجرأة ليقصها بصدق وإتقان