آخر تحديث :السبت-09 مايو 2026-12:00م
فن

روح الفنان زكي.. حين يصبح الإنسان أجمل من لوحاته

السبت - 09 مايو 2026 - 10:49 ص بتوقيت عدن
روح الفنان زكي.. حين يصبح الإنسان أجمل من لوحاته
بقلم / صالح الحنشي

ثمة فنانون يدهشونك بأعمالهم، يفتحون أمامك أبواب الجمال والخيال، فتقف مأخوذًا بما يرسمونه أو يكتبونه أو ينحتونه. لكنك أحيانًا، وما إن تقترب من الشخص نفسه، حتى تصاب بخيبة لا تشبه ذلك الجمال الذي رأيته في أعماله. تكتشف أن اللوحة كانت أجمل من روح صاحبها، وأن القصيدة أرقى من قلب شاعرها. بل قد يصل الأمر بك إلى أن تتمنى لو أنك لم تلتقِ به أصلًا، حتى يبقى إعجابك بأعماله نقيًا كما كان.

لكن الفنان زكي اليافعي استثناء نادر من هذه القاعدة.

حين تقترب من زكي، لا تكتشف مجرد فنان تشكيلي موهوب، بل تكتشف روحًا شفافة، هادئة، ومشبعة بالجمال الإنساني. تشعر أن لوحاته ليست سوى انعكاس حقيقي لما يسكن داخله. وأن الألوان التي يزرعها على القماش، يعيشها أولًا في أعماقه قبل أن يمنحها للآخرين.

زكي ليس فنانًا يرسم الجمال فقط، بل إن الجمال نفسه يبدو وكأنه اختار أن يسكن هذا الرجل.

أتذكر موقفًا طريفًا وموجعًا في الوقت نفسه، حكاه لي ذات مرة، حين كان مقيمًا في صنعاء، بعد أن انصرف السواح الأجانب عن زيارة المدينة، فأصاب سوق الفن التشكيلي ركود قاتل، واضطر الفنانون أحيانًا لرسم بعض الشخصيات الخاصة كي يواجهوا متطلبات الحياة القاسية.

يومها، تلقى زكي عرضًا جيدًا لرسم شخصية معينة، لكنه كان يدرك أن وصول الخبر إلى جماعة الحوثي قد يعرضه للأذى والمساءلة. وفي الوقت نفسه، كان بحاجة ماسة لإنجاز اللوحة وما ستوفره له من مال يساعده على الحياة.

ظل يفكر طويلًا حتى اهتدى إلى حل يشبه دهاء الفنانين وحزن اليمنيين معًا.

رسم الجسد كاملًا داخل مرسمه في صنعاء، أنجز كل شيء بدقة، ما عدا الوجه. وحين انتهى، حمل حقيبته وعدته واللوحة الناقصة، وسافر بها إلى عدن فقط كي يُكمل رسم الوجه هناك.

قال لي يومها: “لم تؤلمني متاعب الرحلة من صنعاء إلى عدن بقدر ما آلمني المعنى الذي اكتشفته وأنا في الطريق.”

ثم صمت قليلًا قبل أن يكمل حديثه بنبرة حزينة:

“شعرت أننا جميعًا نعيش حالة تشظٍ مخيفة فوق أرض يفترض أنها أرضنا. وأنا في الطريق كنت أتأمل وجوه المسافرين المتجهين من صنعاء إلى عدن، وكنت أشعر أن الجميع ذاهبون ليكملوا أشياء لم يستطيعوا إكمالها هناك.”

وأضاف:

“رأيت البعض يحملون نصف ابتسامة فقط… متجهين إلى عدن كي يكملوا نصفها الآخر.”

ذلك الحديث وحده كان لوحة كاملة.

لوحة لا تحتاج إلى ألوان ولا فرشاة.

كان زكي في تلك اللحظة يرسم اليمن كله بكلمات قليلة. يرسم وجع الناس، وانقسام الروح، وخوف الإنسان حتى من أن يُكمل ملامح وجه داخل لوحة.

وربما لهذا السبب تبدو أعماله مختلفة دائمًا. لأن من يرسمها ليس مجرد فنان يمتلك الموهبة، بل إنسان يحمل قلبًا يرى ما وراء الأشياء، ويشعر بما لا يقوله الآخرون.

الفن الحقيقي ليس ما نراه معلّقًا على الجدران فقط، بل ما يتركه الإنسان في أرواح من يعرفونه.

وزكي اليافعي… واحد من أولئك الذين يتركون أثرًا يشبه الضوء.