آخر تحديث :الأحد-10 مايو 2026-01:57م
وفيات

وداعٌ تحتضنه الأرض.. وتزفّه السماء

الأحد - 10 مايو 2026 - 12:59 م بتوقيت عدن
وداعٌ تحتضنه الأرض.. وتزفّه السماء
المصدر: عدن الغد : محمد الصهيبي

في لحظات الفقد العظيمة، لا ترحل الأجساد وحدها، بل ترحل معها أجزاءٌ من أرواحنا، وذكريات عمرٍ كاملٍ من الحب والتعب والكفاح. وحين يكون الراحل أبًا، فإن الكلمات تصبح عاجزة عن حمل حجم الوجع، لأن الأب ليس مجرد فردٍ في العائلة، بل وطنٌ صغير، وسقفٌ من الأمان، وظهرٌ تستند إليه الحياة كلها.

هكذا كان “عبدالرحمن” في حياة أبنائه ومن عرفه؛ رجلًا عاش للناس قبل نفسه، وحمل هموم الآخرين بصمت الكبار، وترك أثرًا لا يُمحى في قلوب من عاشوا بقربه أو عرفوا مواقفه وأخلاقه.

لم يكن مجرد أبٍ لاثني عشر ولدًا، بل كان أبًا معنويًا لجيلٍ كامل، صنع من بيته مدرسةً في القيم، ومن حياته مثالًا في الصبر والرحمة والحكمة. عرفه الناس صاحب قلبٍ واسع، وسيرةٍ طيبة، ووجهٍ لا يغلق بابه أمام محتاج أو صاحب همّ.

وحين جاءت لحظة الوداع، لم تكن جنازته عابرة، بل كانت شهادة حبٍّ ووفاء من الناس الذين احتشدوا ليقولوا إن الرجال الحقيقيين لا يموتون بصمت، وإن الأثر الطيب هو العمر الذي يبقى بعد الرحيل.

لقد رحل الجسد، لكن بقيت المواقف، وبقيت الكلمات، وبقيت القيم التي غرسها في أبنائه، لتتحول إلى عهدٍ يحمله أبناؤه من بعده، وفي مقدمتهم ابنه محمد الصهيبي، الذي وقف أمام قبر والده لا كابنٍ مكسور فقط، بل كرجلٍ يحمل وصية أبيه ومسؤولية الأسرة وإرث السنين.

إن أعظم ما يتركه الإنسان بعد رحيله ليس المال ولا الجاه، بل السمعة الطيبة والعمل الصالح، وأن يُذكر بالخير في غيابه كما كان يُحترم في حضوره. وهذا ما تحقق لعبدالرحمن، الذي تحوّل رحيله إلى لحظة وفاءٍ إنسانية عظيمة، اختلطت فيها دموع الفقد بدعوات المحبين.

وفي زمنٍ أصبحت فيه القيم نادرة، تبقى مثل هذه النماذج رسالةً بأن الخير لا يضيع، وأن الرجال الذين يعيشون للناس يخلدهم الله في القلوب قبل التاريخ.

رحم الله عبدالرحمن رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجعل ما زرعه في الدنيا نورًا يرافقه إلى آخرته، وألهم أهله ومحبيه الصبر والسلوان.

فالآباء العظماء لا يغيبون تمامًا.. بل يبقون في الدعوات، وفي المواقف، وفي القلوب التي ربّوها على الخير والكرامة.