آخر تحديث :الأربعاء-20 مايو 2026-12:39م
وفيات

في أربعينية الفقيد الدكتور الخضر المسبحي ، الرجل الذي احب وأحبه الجميع

الأربعاء - 20 مايو 2026 - 11:43 ص بتوقيت عدن
في أربعينية الفقيد الدكتور الخضر المسبحي ، الرجل الذي احب وأحبه الجميع
المصدر: خاص

قاسم عمر المسبحي

في ذكرى الأربعين.. حيث يلتقي الوجع بالوفاء، ويصمت اللسان ويتكلم القلب_


مرّت أربعون ليلة، وعدن ما زالت تحفظ صدى خطاك في شوارعها، ومستشفياتها، ومجالسها. أربعون يوماً منذ أن توفيت في عدن وغاب عنا وجهٌ ما عرفنا منه إلا البِشر، وصوتٌ ما سمعنا منه إلا الطيب، ويدٌ ما امتدت إلا بالخير. مرّت أربعون ليلة، والقلب ما زال على وقع فراقك الثقيل. أربعون يوماً مرّت كأنها دهر.


يا أبا زياد،


رحلتَ وتركتَ خلفك سيرةً يتعثر الكلام أمام هيبتها، وحياةً لو كُتبت بماء العين ما وفّت حقها. لم تكن مجرد طبيبٍ يداوي الأبدان، كنتَ طبيب قلوب، تجبر الخاطر قبل أن تجبر الكسر، وتسمع الشكوى قبل أن تكتب الدواء.


في الطب كنتَ أماناً


دخلتَ المهنة وأنت تحمل همّ الناس قبل همّ نفسك. لم تفرّق بين غنيٍ وفقير، ولا بين قريبٍ وبعيد. كم من مريضٍ خرج من عندك مطمئناً ليس لأن الدواء بيده، بل لأن طمأنينتك وصلت قلبه قبل وصفتك. كنتَ تؤمن أن الكلمة الطيبة نصف العلاج، فما بخلت بها على أحد.


وفي البرّ كنتَ آية

برّك بوالديك حديثٌ يتوارثه من عرفك. ما رُفِع صوتك عليهما، ولا سبقت خطوتك خطوتهما. كنتَ ترى الجنة تحت أقدامهما فجعلت عمرك كله سعياً لنيل رضاهما. ومن برّ والديه، برّه الناس أجمعون.


وفي الخلق كنتَ قدوة

أخلاقك كانت غالية، لأنها لم تُشترَ ولا تُباع. تواضعك يرفعك، وحياءك يزينك، وابتسامتك تفتح الأبواب المغلقة. اجتماعيٌ بطبعك، لا تجلس في مجلس إلا عمّرته، ولا تلتقي بإنسان إلا ترك في قلبه أثراً لا يُمحى. لم تعرف الحقد، ولم تحمل في صدرك على أحد، وكأنك خُلقت لتجمع لا لتفرّق.


وفي الدين كنتَ ثابتاً

متدينٌ بلا تشدد، مستقيمٌ بلا تكلّف. عرفتَ الله فأحببتَ خلقه، وصليتَ فأحسنتَ الوقوف بين يديه، فأحسن الله وقوفك بين يدي الناس. مواقفك في الحياة تشهد لك: كلمة حقٍ في مجلس باطل، ومساعدة محتاجٍ في وقت ضيق، وإصلاح ذات بينٍ على حساب راحتك.


اليوم نكتب عنك ولم يسبقنا أحد في هذا الجمع، لأن من مثلك لا يُكتب عنه في عجلة. نكتب وأعيننا تفيض، لكن قلوبنا ممتلئة فخراً أن عرفناك، وأن مشينا في دربك ولو خطوات.


يا أبا زياد،

غبتَ عنا بجسدك، لكنك حاضرٌ في كل مجلسٍ يُذكر فيه الطيب، وفي كل دعوةٍ تخرج من قلبٍ دعوت له فشفاه الله على يدك، وفي كل ولدٍ ربّيته على البرّ، وفي كل موقفٍ تعلمنا منه أن الرجولة موقف، والإنسانية أصل.


نسأل الله أن يجعل قبرك روضةً من رياض الجنة، وأن يوسّع مدخلك، ويغسلك بالماء والبرد، وأن يجمعنا بك في مستقر رحمته. وأن يجعل ما قدمت من خيرٍ شفيعاً لك، وما تركت من أثرٍ صدقةً جاريةً في ميزانك.يا أبا زياد، فقد كنتَ غالياً في حياتك، وأغلى بعد مماتك.


اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واجعل الفردوس مأواه.

((وإنا لله وإنا إليه راجعون)).