آخر تحديث :الجمعة-22 مايو 2026-11:21ص
أخبار وتقارير

في ذكرى الوحدة: “يوماً من الدهر لم تصنع أشعته شمس الضحى بل صنعناه بأيدينا.”

الجمعة - 22 مايو 2026 - 11:05 ص بتوقيت عدن
في ذكرى الوحدة: “يوماً من الدهر لم تصنع أشعته
شمس الضحى بل صنعناه بأيدينا.”
المصدر: عدن / خاص

في هذا اليوم الأغر، الثاني والعشرين من مايو 1990م، أستعيد واحدة من أجمل وأعمق محطات الذاكرة، حين كنت طالباً صغيراً أقف على منصة الاحتفال الختامي للعام الدراسي 1989 – 1990م بمدرستنا الموحدة، مدرسة الشهيد السيد صالح عيدروس بقرية الكورة مديرية الوضيع محافظة أبين، لألقي كلمة الطلاب في يوم استثنائي تزامن مع إعلان الوحدة اليمنية المباركة بين شطري الوطن.


هذه الصورة التي ما زلت أحتفظ بها حتى اليوم ليست مجرد لقطة عابرة، بل تختزن قصة وفاء تربوي وإنساني لن أنساها ما حييت، فقد كنت حينها قد حصلت على المركز الأول في الصف الثامن، غير أن ظروف الحياة الريفية دفعتني للتغيب عن الحفل من أجل رعي الأغنام، كما كان حال كثير من أبناء القرى البسطاء في تلك المرحلة.


لكن أستاذي ومعلمي وقدوتي في العمل التربوي الأستاذ

أحمد ناصر الضيف الجعدني كان يرى في التعليم رسالة سامية تتجاوز حدود الصفوف الدراسية، فلم يقبل أن أغيب عن ذلك اليوم التاريخي، حضر بنفسه بسيارة إلى قريتنا، واصطحبني مع عدد من أبناء القرية للمشاركة في الحفل، ثم قال لي بكلمات ما زالت محفورة في الذاكرة:

“هذا يوم تاريخي توحد فيه شطرا اليمن، وأنت يا غسان ستلقي كلمة الطلاب لأنك حصلت على المركز الأول في هذه المدرسة الموحدة ذات الصفوف الثمانية.”


لا أستطيع وصف حجم الفخر الذي شعرت به آنذاك، وأنا أقف طالباً يافعاً لألقي خطاباً في مناسبة وطنية بحجم إعلان الوحدة، في لحظة اختلطت فيها براءة الطفولة بعظمة الحدث الوطني، وامتزج فيها الحلم الشخصي بحلم وطن كامل كان يتطلع إلى مستقبل أكثر إشراقاً واستقراراً.


وقد التقطت هذه الصورة في تلك المناسبة، ثم أهداني إياها أستاذي أحمد خلال فترة الامتحانات الوزارية، فاحتفظت بها طوال ستة وثلاثين عام

اً، لأنها بالنسبة لي ليست مجرد صورة، بل شهادة وفاء لمعلم عظيم، ونافذة أطل منها على زمن جميل كانت فيه الأحلام أكبر من الخلافات، وكانت القلوب أكثر صفاءً وإيماناً بالمستقبل.


لقد كان الأمل يومها أن نبني الوطن على أفضل ما في تجربتي الشطرين، وأن تتحول الوحدة إلى مشروع حضاري قائم على العدالة والتنمية وبناء الإنسان، غير أن السنوات اللاحقة أخذتنا ـ للأسف ـ إلى دوامات من الصراعات والحروب والمتاهات التي أرهقت الوطن وأثقلت كاهل أبنائه.


ومع ذلك، تبقى تلك الذكريات النقية شاهدة على مرحلة آمن فيها الناس بأن الوطن يستحق الحياة، وأن التعليم كان يصنع الأمل ويمنح أبناء الريف البسطاء فرصة للحلم بمستقبل أفضل.


“يوماً من الدهر لم تصنع أشعته

شمس الضحى بل صنعناه بأيدينا.”


*د. غسان ناصر عبادي*

*22 مايو 2026م*