آخر تحديث :السبت-05 سبتمبر 2026-02:30م
أدب وثقافة

يوميات سجين (القصة الخامسة)

السبت - 05 سبتمبر 2026 - 02:08 م بتوقيت عدن
يوميات سجين (القصة الخامسة)
المصدر: بقلم / عصام مريسي

بلاط السجن

رغم كل العلامات التي خطتها السنون الستون بياض الشعر وانكسار الحاجبين وانحناء الظهر والتحاعيد تملأ جبينه ووجنتيه بعدد السنين التي مرت من عمره إلا إنه يقف واثقا يقلب بصره نحو سقف وجدران السجن التي قد نسج العنكبوت على حوافها بيوتا له واهنة كأشياء كثيرة مرت بحياته المديدة سرعان ما انطوت لهشاشتها وأناس مروا في مضمار عمره سرعان ما انتهوا لخور في صدقهم يلقي التحية على جموع المساجين :

السلام عليكم أيها الرفاق

للحظة يسود الصمت وكأن الامر غريب لكن سرعان ما يتفاعل السجناء مع حيوية الشيخ:

وعليكم السلام .. أيها السيد

يمد كلتا يدية بثبات وعليها تجاعيد خطتها سنونه الستون نحو بيوت العنكبوت ليقتلعها وسرعان نا تولي العناكب هاربة نحو شقوق في جدران السجن الباردة لتتوارى عن الأنظار محاولة النجاة بنفسها بعد أن استقرت لفترة طويلة ناسجة بيوتها في كل نواحي جدران وحواف الأبواب حتى أصبحت صاحبة سيادة القانون على المكان.

يتسابق السجناء مقتدون بالشيخ السجين الجديد في تنظيف الجدران وإزالة كل بيوت العنكبوت التي نسجتها منذ زمن طويل حتى جعلت المكان يبدو ككهف مهجور تسكنه الأشباح وتستقر فيه الأجساد الخاوية من علامات الحياة.

يتحدث شاب صغير حدث السن قائلا:

انتظر أيها العم .. سوف انظف البلاط كي تستقر وتجلس

السجين الشيخ بلهجة لوم يتحدث إلى السجناء:

كيف تستطيعون البقاء على مثل هذه القادورات

يتحدث أحد السجناء ويبدو أنه اقدمهم مدة في المحكومية:

ومافائدة أن نقوم بما تقول .. فيومنا لا تغيير فيه صباحه كمسائه

يحذق الشيخ النظر إلى المتكلم برهة متنهدا بصوت مسموع متابعا حديثه:

يجب أن يحدوك الأمل يالخلاص وتغيير الأحداث وايمان قوي بإن الله قادر على تغير الحال وهذا لن يكون بعد الدعاء بالرغبة في التغيير

يقلب السجين المتحدث رأسه معلنا أنه غير فاهم لما يقوله الشيخ السجين

يردد الشيخ السجين أمام السجناء عبارة تحفز الامل في نفوس السجناء:

أنتم تستطيعون جعل بلاط السجن المهترئ إلى بلاط قصر

وتجعلون من هذا البلاط ممر نحو الخلاص فالفرج قريب وهي فترات محكومية سواء كنتم ابرياء مظلومين او قد وقعتم في الزلل بقصد او من غير قصد

من إحدى زوايا السجن يصدر أحد السجناء صوتا متكسرا مكبل باليأس قائلا:

أنت مازلت جديدا على المكان ولم تعش وتشعر كيف عمرك يمر كعقارب الساعة التي تجري دون أن تشعر هي بحساب الزمن الذي ينقضي بمرور عقاربها

يقترب الستيني من السجين اليائس المتكلم ويدعوه للجلوس فيجلسا في ناحية من نواحي الزنزانة على بلاط السجن البارد المتعكر بالاوساخ بلونيه الأبيض والأسود وكأنهما يعبران عن مفارقات الحياة بين الحق والباطل وبين الظلم والعدل والصدق والكذب لا ثالث بين المتضادات والمفارقات الحياتية وهو يسأله:

لما أنت هنا

يرفع السجين اليائس تنهيدة عميقة فيها الم ومرارة الظلم الذي وقع عليه يوما قائلا:

كنت على علاقة صداقة وقبلها قرابة في رئيسي في البنك وكان مثلي وقدوتي في العمل اتلقى منه التعليمات وانفذ اوامره بصرف مبالغ مالية لاشخاص وجهات مبررا بإن ذلك من تسهيل امور العمل وعدم تعقيد الإجراءات وكانت توقيعاتي على كل الصكوك و العهد

ينطلق صوت أحد السجناء ساخرا:

لم تلعب بذيلك يوما ما

وصوت اخر قائلا:

لقد مللنا من رواياتك

يرتفع صوت الشيخ :

على الجميع الصمت والجلوس

يجلس جميع السجناء على أرضية السجن الباردة المصنوعة من البلاط الأسود والابيض وهم ينظرون إلى بعضهم البعض في حذر وترقب وربما أخفى بعضهم ضحكة باردة وابتسامة يشوبها الالم والحزن

ينطلق صوت الشيخ :

اكمل ايها الشاب

فيبدأ السجين اليائس في رواية حكايتة مع غدر الصديق الذي أدخله السجن عندما منحه الثقة العمياء المطلقة وأصبح مجرد قلم في بده يذيل اوامره بالتوقيعات.

عصام مريسي