آخر تحديث :الخميس-14 مايو 2026-05:18م

التنظير السياسي والفكري.. والتطبيق على أرض الواقع ..!!

الأربعاء - 29 نوفمبر 2023 - الساعة 11:57 ص
إبراهيم ناصر الجرفي

هناك بون شاسع بين القول والفعل ، بين النظرية والتطبيق خصوصآ في المجال الفكري والسياسي ، وذلك لآنه من الصعوبة بمكان السيطرة والتحكم في السلوك البشري ، فالبشر ليسوا ٱلآت ٱو روبوتات يمكن برمجتها بٱنظمة معينة يمكن من خلالها التحكم بتصرفاتهم وسلوكياتهم وتسييرها وفق مشيئة معينة ، فالبشر يمتلكون عقول تمنحهم القدرة على التمييز والاختيار واتخاذ القرار ، فقد تتوافق بعض الافكار والنظريات مع بعض العقول وقد تختلف مع البعض الآخر ، وقد تقبل بعض العقول بهذه الفكرة ٱو تلك بينما تكون مرفوضة عند البعض الآخر ، وحتى تلك العقول التي قبلت بتلك الفكرة أو النظرية ، قد تختلف مع بعضها في التفاصيل وفي الفرعيات وفي كيفية تطبيقها على ٱرض الواقع ، بعكس الحال في الجوانب والنظريات العلمية والتطبيقية المحددة بقواعد ثابتة في كل مكان في العالم ، وعند كل العقول البشرية ( 1 + 1 = 2 إنموذجاً ) ..!!

كما ٱن العقل البشري وبما يمتلك من قدرات وامكانيات كبيرة يمكنه التحايل على تطبيق الأفكار والنظريات السياسية والفكرية ، لأنها ليست محددة بقوانين ثابتة ، ومجال الاجتهاد والتفسير فيها متاح ومفتوح وممكن حسب القدرات العقلية ، فهو قد يلترم ظاهريآ بإعتمادها نظاماٌ عامأ للدولة ، لكنه يتحايل في كيفية التطبيق والتنفيذ ، فالنظرية الديمقراطية على سبيل المثال قد تكون نظام الحكم السائد في هذه الدولة او تلك ، لكن عند التطبيق لا يتم الالتزام بتلك النظرية حرفياً ، حيث يتم التلاعب بها من خلال استغلال النفوذ او القوة او المال للسيطرة والتحكم في آراء شريحة واسعة من الناس ، حتى وان كانوا غير مقتنعين بذلك ، عن طريق استغلال حاجاتهم وظروفهم ومصالحهم ، او بالترهيب السياسي او القبلي او الأسري وهكذا ..!!

وبهكذا اساليب يتم التلاعب والعبث بالفكرة أو النظرية لتفقد مثاليتها ومميزاتها خلال تطبيقها على أرض الواقع ، وهذا الوضع ليس مقتصر على البلدان المتخلفة فقط بل إنه سائد حتى في الدول المتقدمة ، فهناك لوبيات سياسية واقتصادية تمارس الضغوط المختلفة على الناخب للتحكم في اختياراته ، وهو ما يفقد النظرية الديمقراطية الكثير من مميزاتها ومثاليتها وايجابياتها ، ورغم كل ذلك تظل النظرية الديمقراطية بكل سلبياتها هي أفضل نظرية حكم توصل إليها العقل البشري ، لأنه وبمجرد اتساع دائرة الوعي والثقافة لدى أفراد المجتمع يمكن تجاوز الكثير من سلبياتها والتحرر من العديد من وسائل الضغط ، فالانسان الواعي والمثقف لن يكون فريسة سهلة لمثل هكذا وسائل ، وسوف يكون له رأيه الخاص به وفق قناعاته ورغباته ..!!

كما أن الاحداث وضحت لنا العديد من التجارب في هذا المجال ، فكم شاهدنا من أحزاب وأطراف سياسية واقتصادية وحتى دينية على مستوى العالم ، كانت تدعوا لأفكار ونظريات مثالية ، وبمجرد تمكنها من السلطة أو القرار تراجعت عن ذلك ، لتمارس على أرض الواقع كل صور السلبية والتسلط والطغيان والظلم ، فهذه النظرية الاشتراكية رغم مثاليتها فيما يتعلق باشتراكية ادوات الانتاج وانحيازها لصف العمال ، إلا أنها وعند تطبيقها على أرض الواقع سرعان ما تحولت إلى سلطة تمارس الظلم والبطش ضد اصحاب رؤوس الأموال ، بل وحتى ضد العمال أنفسهم ، لذلك من السهولة بمكان التنظير الفكري والسياسي والفلسفي وحتى الديني خلال الخطب والمحاضرات ، ولكن من الصعوبة بمكان تطبيق ذلك على أرض الواقع ، فالشطحات الفكرية والفلسفية والدينية وحتى العاطفية سرعان ما تنصدم بالواقع وبالظروف ، لتتلاشى مثاليتها وجمالها شيئاُ فشيئاُ ، أمام مصالح وأطماع ومواقف وآراء افراد المجتمع المختلفة والمتباينة ، فليس كل ما يقال يمكن تطبيقه بشكل حرفي وإنما بنسب متفاوتة ، حتى في موضوع الحروب العسكرية ، سرعان ما تتحول التهديدات والعنتريات للقادة العسكريين ، إلى سراب عندما يحمى وطيس المعارك ، فليس كل ما يقال صحيح فالكثير منه قد يكون مجرد استهلاك إعلامي للمزايدة والمتاجرة واستتغفال العقول ..!!