آخر تحديث :الجمعة-03 أبريل 2026-10:39م

يا نهار اسود … وملون!

الإثنين - 22 يناير 2024 - الساعة 03:14 م
طارق نجيب

بقلم: طارق نجيب
- ارشيف الكاتب


إنتشر مقطع قصير لشاب يمني يبدو على ملامحه بأنه في بداية العشرينات من عمره، يعبر فيه عن فرحته بتحصله على (كرت الإقامة في جمهورية مصر العربية) قائلا في جزء من الحديث بأنه سيردد عبارة (يانهار إسود وملون) أمام كل من يقابله كدليل إثبات على مصريته -حد قوله- بأسلوب كوميدي وعفوي دافع للابتسامة؛

ورغم خطأ الشاب في مفردات الجملة التي وصلت إلى بيوتنا العربية جميعا عن طريق المسلسلات والأفلام المصرية فبدلا من قوله (يا نهار إسود ومنيل… استبدلها بكلمة ملون) إلا أن هذا الخطأ إلى جانب عفويته جعلت الإعلام العربي وخاصة وسائل التواصل الإجتماعية في مصر تتفاعل مع المقطع وتعاود نشره على نطاق واسع مرفقا بالتعليقات الإيجابية؛

ولكن عند متابعة مجرى التفاعل على وسائل التواصل الإجتماعي في بلدنا، نجد بأن السلبية تطغى على الأغلب؛ حيث لوح البعض بمجموعة من التحليلات الأقرب منها إلى التهم التي تنتزع من هذا الشاب اليانع كينونته الفردية والوطنية؛ آخذين من لهجته - غير اليمنية حد قولهم - وفرحته بالإقامة حد إدعاء مصريته بمجرد التحصل عليها، سببا وجيها ودافعا لمهاجمة الشاب دون هوادة؛


ثم تغير هذا المجرى نحو إستيعاب وجهة نظر الشاب بل والتعاطف معه عندما حكى حكايته في إحدى البرامج الصباحية على قناة عربية متحدثا عن نشأته منذ الولادة في خارج اليمن وانفصال والديه وعدم تحصله على وثائق من والده، مما حرمه الولوج السلس في العملية التعليمية وغيرها من الحقائق التي حكاها والإبتسامة لاتفارق محياه؛

قرأت بعد هذه المقابلة تعليقات عدة تعتذر عن سوء التفاعل مع مقطع الشاب، مما أثار لدي حديث النفس عن مسببات هذه السلوكيات التي تهاجم الإنسان متجاهلة التداخلات الثقافية والإجتماعية التي نمر بها جميعا ومنتزعة حسن الظن الإنساني والوطني؛

بكل تأكيد أن هذه الحساسية المفرطة تجاه كل ما فيه ذكر للوطن والبنى الإجتماعية والثقافية فيه، أمر له جذوره الممتدة لمرحلة تشكل الهوية الوطنية الحديثة لبلدنا منذ ستينيات القرن الماضي وإرهاص حرب طبيعي للتنازع حول الهوية والجغرافيا والأيدولوجيا؛

وبالمجمل فالمهم -بوجهة نظري - من هذا المشهد الحياتي هو (التعلم) كي لا نقع مجددا في ذات السلوكيات التي تهاجم كينونة الإنسان وتنتزع وطنيته دون فهم للأسباب والدوافع، فلا يجب أن تنصب الحياة العامة نفسها جلادة لأبناءها وهم ضحايا الحرب والضعف والخذلان

فبقليل من التفكير قبل كتابة التعليقات على حوائط التواصل الإجتماعي، سنجد العديد من الحقائق كانت جلية عند مشاهدة المقطع، تمكن الإنسان من كتابة تعليق أبعد ما يكون عن التجريح أو الإساءة أو السوء:

فهل يعقل أننا لا نعلم بأن اليمن بلد غني باللهجات لدرجة أن بعض المحافظات فيها أكثر من لهجة، وبأن بعض اللهجات في نطقها وعند سماعها نجدها متقاربة مع لهجات البلدان المجاورة، فكيف حكم الأغلب بأن لهجة الشاب لم تكن يمنية !

بالمناسبة هذه إحدى نتائج عقود سابقة من ممارسات الدولة وسياستها لصبغ اليمن بلهجة ومظهر ثقافي أوحد يعبر عن منطقة معينة جراء المركزية وتغليب مفهوم الأكثرية؛ جعلت البعض يصدق بأن لليمن وجه ثقافي واحد وغالب -

أيعقل أننا نستهجن ماهو طبيعي من تأثر وتفاعل إنساني يظهر على اللهجة وأنماط الحياة لأكثر من 3 ملايين نسمة من اليمنيين الذين يعيشون ويقطنون في دول الجوار؛ هل نستنكر ماهو طبيعي تحت شعارات شعبوية تنتقص من الآخر وتسلب وطنيته! فما المطلوب يا كرام ؟ تجريدهم من وطنيتهم، وقطع آخر حبال الأواصر مع وطنهم الطارد؟

أيعقل بأننا لا نعي مدى العقبات والصعوبات التي تواجه الإنسان اليمني الباحث عن لقمة العيش والتعليم والصحة له ولأولاده وعن مقومات الحياة الأساسية المفقودة في وطنه للأسف عند محاولته الحصول على إقامة في أي بلد من بلدان العالم، كي يستطيع من خلالها الوصول بإنسانية لكل ما سبق؛ فنتهكم بفرحة اليمني التائه في أرض الله الواسعة أو نحاكم سعادته بالكرت الذي يضمن إقامته بشرعية محترما القانون؟

أيعقل لأحدهم بعد كل هذه الحقائق أن يكتب تعليقا ساما ويحمل الأمر أكثر مما فيه، أو يحاكم غياهب كل سيء في العالم بعفوية شاب مقبل على الحياة كأرضه ومنهك كمثلنا جميعا؛ وإن كان كل ذلك يُعقل لجهل.. فها قد علمت؛

ترى كم من كلمة أصابت هذا الفتى كالرصاصة وكأنه لا يكفيه من وعثاء العيش شيئا جراء يمنيته؛ فلنرأف بحالنا ونقدم الخير عن غيره فيما بيننا، ونتأكد بأن للكلمة تأثير تعلي وتخفض؛ نعم من المحمود ندم أصحاب التعليقات السيئة في مشهد كهذا، لكن الأهم خاصة للشابات والشباب المرابط على وسائل التواصل الإجتماعي هو عدم الإسراع بالتعليق دون تفكير قبلها، فالندم والإعتذار في المرات القادمة قد يصبح بلا قيمة؛ بل دلالة فقدان لميزة إنسانية فارقة وهي (التعلم والإستفادة من مواقف الحياة السابقة)

وفعلا كما قالها خالد (يا نهار إسود.. وملون!).