آخر تحديث :السبت-07 مارس 2026-07:14ص

خيانة عبدالناصر والإخوان وقضية فلسطين (٣)

الجمعة - 27 سبتمبر 2024 - الساعة 06:29 م
د. وليد العليمي

بقلم: د. وليد العليمي
- ارشيف الكاتب


( باسم الملايين لن نسمح لك بالعودة الي الثكنات العسكرية ،لأن مهمتك لم تنته بعد،وواجبك هوإكمالها) هذا ماصرح به القيادي والمفكرالإخواني البارز سيد قطب،يطلب من عبدالناصر البقاء في السلطة ،وعبر سلسلة مقالات صدرت عام ١٩٥٢ م ،أعلن فيها تأييد جماعة الإخوان لحركة ٢٣ يوليو،بل يعتبر سيد قطب وجماعة الإخوان، أول من منح إنقلاب ٢٣ يوليو صك الشرعية من خلال وصفه بأنه "ثورة "،.
كما حرضت جماعة الإخوان ،بقلم سيد قطب عبدالناصر، على إنتهاج الديكتاتورية العسكرية ،وإلغاء الأحزاب ،وتعليق النظام الدستوري الليبرالي ،وكما أشار الكاتب فوازجرجس في كتابه (تشكيل العالم العربي صراع عبدالناصروسيدقطب الذي رسم ملامح الشرق الأوسط )، أن عبدالناصر وسيد قطب وجماعة الإخوان ،إنطلقوا من نفس المساحة الأيديولوجية .
والسؤال الذي يطرح نفسه ،في هذا السياق ،هو، ما هي علاقة عبدالناصر بالإخوان؟ولماذا حظرعبدالناصر كل الأحزاب بعد حركة ٢٣يوليو١٩٥٢؟ولم يحظر جماعة الأخوان؟ .
أكدت عدة مصادر ، أن جمال عبدالناصر ، لم يكن عضواًَ قيادياً في جماعة الإخوان المسلمين ، فقط ، بل كان أحد المؤسسين لما يسمى "التنظيم الخاص في الجماعة "وهو الجناح السري العسكري للإخوان ، والجماعة لاتستقطب لهذا الجناح السري إلا أهل الثقة الرفيعة ، والولاء المطلق ، والذي إستقطب عبدالناصر للجماعة هومؤسس الجماعة " حسن البنا" عام ١٩٤٣م حسب رواية الكاتب أحمد رائف، عن طريق الظابط في الجيش محمودلبيب وقد أقسم عبدالناصر على المسدس والمصحف( وهوالأسلوب المتبع عندالإنخراط في التنظيم الخاص )، وبايع حسن البنا في حارة الصليبة بالسيدة زينب على السمع والطاعة في السراء والضراء.
وكان عبدالناصرمحباً لحسن البنا ، ومتأثراً به حد الإنبهار ، نظراً لأسلوبه البليغ في الطرح ، وحججه الظاهرة في الإقناع ، وبساطته وتواضعه ، على عكس المرشد حسن الهضيبي الذي جاء بعد البنا ،والذي كان يعمل قاضياً ، وأسلوب حديثه يشوبه التعالي والتكبر ، كما أشار عبدالناصر نفسه بذلك ،.وكان اسم عبدالناصر الحركي في جماعة الاخوان "زغلول عبدالقادر ".
وشرع عبدالناصر بتدريب شباب الجناح العسكري للإخوان على إستخدام الأسلحة عام ١٩٤٦م و١٩٤٧م، إستعداداًلحرب فلسطين والجهاد ضد الإنجليز ، وأنخرط معه في التنظيم الخاص للإخوان ،محمد أنور السادات ،وخالد محي الدين ،وعبدالمنعم عبدالرءوف،ومحمودلبيب،الذين أصبحوا بعد حركة ٢٣يوليو أعضاء في مجلس قيادة الثورة (ماعدا محمود لبيب الذى مات عام ١٩٥١م)، وحسب شهادة خالدمحي الدين نفسه وشهادة السادات التي جاء فيها (رحم الله حسن البنا ..وأنا كنت معاصر للشيخ وكنا نعمل يداً بيد أيام التنظيم السري ضد الإنجليز والملك والأحزاب وليس ضد مصر).
في إطار الصراع الأمريكي البريطاني على المنطقة ،وخدمةً لمصالح الكيان الصهيوني الناشئ برعاية أمريكية ، تمكنت المخابرات الأمريكية من التوصل لتفاهمات مع جماعة الإخوان المسلمين للحرب ضد المحتل الإنجليزي لمصر ، قبل إعلان دولة الكيان الصهيوني ، ولاكن في الحقيقة كانت هذه التفاهمات تصب في مصلحة اليهود للإستحواذ على أرض فلسطين .
وكما أشار موشي دايان وزير الدفاع الصهيوني في حرب ١٩٦٧م،وحرب ١٩٧٣م، في مذكراته ، إلي الدهاء السياسي والتخطيط الإستراتيجي للوكالة الصهيونية ،التي أقنعت المجتمع الأمريكي وسكان البيت الأبيض ،أن حرب اليهود في فلسطين ضد المستعمر الإنجليزي هي كحرب الاستقلال الأمريكي ضد المستعمر الإنجليزي عام ١٧٧٦م، .
في حرب عام ١٩٤٨م، بين العرب واليهود، كان البطل المصري أحمد عبدالعزيز يقود قوات مصرية وعربية نظامية وغير نظامية ، وكان يحقق الإنتصارات يوماً بعد يوم ، ووصل بقواته الي مشارف تل أبيب"على بعد عدة كيلومترات منها " ، وآخر معركة خاضها كانت في مواجه موشي دايان الذي كان يقود فرقة كوماندوز في تلك الحرب ، وتمكن البطل أحمد عبدالعزيز من القضاء على هذه الفرقة بالكامل (التي كانت فرقة من القوة الضاربة التي يُطلق عليها البالماخ " قوات الصاعقة")، وفر موشي دايان هارباً ، وكاد أن يُقتل على أيدي البطل أحمد عبدالعزيزورجاله.
كان نائب البطل أحمد عبدالعزيز في قيادة هذه القوات هو الضابط الإخواني جمال عبد الناصر، الذي شرع في أول خيانة لقضية فلسطين ، وقام بتدبير مؤامرة بالترتيب مع التنظيم الخاص لجماعة الإخوان التابع له، أدت الي إغتيال البطل أحمد عبدالعزيز ، وقام بتنفيذ عملية الإغتيال صلاح سالم ، بأوامر مباشرة من الإخواني جمال عبدالناصر .
عندما كان البطل أحمد عبدالعزيز عائدأ من مقر القيادة المصرية التي كانت في قطاع غزة ، ليلاً، الي مقر قواته المتقدم بالقرب من تل أبيب ، حدث تبادل إطلاق نار وهو يدخل مقر قواته وبين رجاله ، وكانت الرواية التي أعدها عبدالناصر ، أن الحراسة في الموقع حذرت ركاب السيارة القادمة ،ولم يستجيبوا ، (هل يعقل أن قوات البطل احمد عبدالعزيز لا يعرفون سيارة قائدهم ؟؟)، وقد أثبت الطب الشرعي ،أن البطل أحمد أصيب بثلاث طلقات نارية في الصدر من الجهة اليسري ، وكان البطل الشهيد يقود سيارة إنجليزية الصنع ، عجلة القيادة فيها في الناحية اليمني ، وكان يجلس في الكرسي المجاور له من الناحية اليسري ،مرافقه الصاغ صلاح سالم.
وأصبح جمال عبدالناصر قائداً لهذه القوات ، وبعد أن كانت هذه القوات ترابط على بعد عدة كيلومترات من تل أبيب ، وكانت تحرر المواقع الواحد تلو الآخر ، بدأت الهزائم تتوالى ، وكانت هذه أول الهزائم التي صنعها الإخواني عبدالناصر للأمة العربية ، وبعدها ستتوالى الهزائم ،في حرب ١٩٥٦م ،ثم حرب الأيام الستة عام ١٩٦٧م.
وأنسحبت هذه القوات الي الخلف ،وأصبحت على بعد عشرات الكيلومترات من تل أبيب ، لتقع في الأخير تحت حصار القوات الصهيونية في منطقة الفالوجة شرق مدينة غزة لأكثرمن ستة أشهر ، وبحسب موقعه كقائد لهذه القوات كان عبدالناصر يفاوض قادة عصابات الهاجانا والبالماخ والشيترن الصهيونية ، من أجل الإنسحاب (وهي الفصائل التي تكون منها الجيش الصهيوني فيما بعد ) ، و خلال فترة الحصار الطويلة ،كان عبدالناصر يقضي أياماً تمتد أحياناً الي أكثر من أسبوع في ضيافة الصهاينة في فنادق تل أبيب من أجل التفاوض ، وتوثيق عرى الخيانة .
وقد تعرّف قادة الحركة الصهيونية على عبدالناصرمن كثب ،أثناء هذه المفاوضات ،وأُعجبوا به ،وتشاركوا معه أحاديث وقصص الكفاح ضد الإنجليز، وعلى مبدأ "عدوعدوي صديقي " الذي أشار إليه موشي دايان وزيرالدفاع الصهيوني الأسبق في مذكراته، أصبح الإخواني عبدالناصر صديقاً للصهاينة ،ليس هذا فحسب ،بل إنه تعلم منهم أساليب الكفاح ضد الإنجليز ، وهذا ما أشار اليه الكاتب الروسي يفغيني بيرماكوف فيما بعد في كتابه (عبدالناصر :- ثورة مصر ) الذي تم ترجمته من اللغة الروسية الي العربية .

كانت المشاركة في هزيمة حرب ١٩٤٨م وتصفية البطل أحمدعبد العزيز ، هي الثمن لإشراق نجم عبدالناصر، وإعتلائه عرش مصر ، فلقد قدم قادة الحركة الصهوينة ،اسم الإخواني جمال عبدالناصر والتنظيم الخاص للجماعة، الي شركائهم الإستراتيجيين "المخابرات الأمريكية" ،والتي أوعزت في العام التالي (عام ١٩٤٩م الي كيم روزفلت ليقوم بالإتصال بعبدالناصر كما أشرت الي ذلك في الجزء الأول من المقال) ،..(يتبع)