آخر تحديث :الأحد-15 فبراير 2026-11:03ص

أفعل ما بدأ لك

الثلاثاء - 22 أبريل 2025 - الساعة 12:35 م
احمد الدثني

بقلم: احمد الدثني
- ارشيف الكاتب


افعل ما بدا لك، فقد آن أوان الأجداد. هكذا تُهمَس الكلمات في أذن القوة حين تنفرد بالمشهد، وتظن أنها تمسك مفاتيح التاريخ. حين تنظر في المرآة فترى العالم كله مجرد ظلٍ لمجدها، وتسمع في صمت الضعفاء أناشيد الطاعة.

يخبرنا التاريخ أن الغلبة لم تكن يومًا دليل عدل، وأن الإمبراطوريات لم تُبنَ إلا على جثث الشعوب. كانت السيطرة مفخرة، والعبودية نظامًا، والفتك بالأرض والناس طريقًا إلى المجد. ثم جاء عصر الحقوق، لا لأنه ارتقاء أخلاقي، بل لأنه ضرورة لحفظ التوازن بعدما احترقت الأرض بالحروب. فجاء القانون، لا ليُهذّب الطبع البشري، بل ليُلجم توحشه حين يتجاوز قدرته على السيطرة.

لكن الإنسان لم يتغير، تغيّرت فقط أدواته. توارى الاستعمار خلف شعارات التنمية، واختبأت الهيمنة في عباءة الشراكة. أصبح الاستعباد طوعيًا، والسيادة مجرد ديكور، بينما القرار الحقيقي يُصنع في مكان آخر، بأيدٍ لا تُرى، ولغايات لا تُقال.

اليوم، لا تحتاج القوة لتخفي نفسها.

ثمة من استعاد لغة الأجداد، لغة التهديد والوعيد، وراح يُمارس التنمر على الشعوب: تارتا بما تهوى نفسه وتارتا باسم النظام الدولي، ويتدخل في شؤون الآخرين وهو يزعم حماية الاستقرار. يصادر قرارات الدول، ويملي الشروط، ويقرر من يحكم ومن يُقصى، ثم يطلب من الجميع احترام قوانينه.

فيا أيها المتطاول على العالم! أفعل ما بدا لك، فلن يعارضك إلا مواطنٌ بسيط لا يزال يعتقد أنه حرٌ طليق، ويكتب بحرقة لأنه لا يملك غير كلمته. أما الذين يُفترض أنهم في موقع القرار، فبعضهم يسألك رضاك والجنة، وبعضهم ينتظر إشارتك، وكثيرٌ منهم رهائن لمصالح معلّقة برقبتك.

ولكن أرجو أن لا تنسَ أن الكبرياء لا يصنع حصانة. وأن في هذا العالم قوى قد لا تُعلن نفسها، لكنها ترقب وتنتظر. قوى إن نهضت، فلن تعترف بهيمنتك، ولن ترضى بالخضوع، ولن تتردد في تحطيم المرايا التي ترى فيها نفسك إلهاً على الأرض.

التاريخ لا ينسى، وكرامة الشعوب لا تموت، فافعل ما بدا لك. ولكن تذكّر: ان لكل طوفان سدٌ ينتظر.