اليمن، هذا الوطن الجريح، لم يعد يحتمل المزيد من الانحدار. عملة تتهاوى، وفقر يستشري، وحرب تمزق الجغرافيا والوجدان. وما بين التهميش والتجاذبات المناطقية، ضاعت البوصلة، وتاه القرار في دهاليز الولاءات والانقسامات. لم تعد المشكلة في أشخاص يتناوبون على المناصب، بل في منظومة مهترئة، تحتاج إلى إعادة بناء من الجذور.
الحل لا يكمن في تغيير الوجوه، بل في اجتثاث العلل البنيوية التي نخرَت جسد الدولة. لا يمكن لليمن أن يقوم طالما أن المحاصصة الحزبية هي الحَكم، وطالما أن الولاء للكيانات الضيقة يعلو على الولاء للوطن. لا بد أن يكون الوطن هو الأولوية، فوق كل انتماء، وفوق كل مصلحة.
يجب أن يتوحد القرار، وأن يُجمَع الرأي تحت راية رجل واحد، قوي، نزيه، عادل، يمتلك الإرادة والقدرة على فرض هيبة الدولة، وردع الفاسدين، واستئصال منابع العبث. رجل لا يخضع للإملاءات، ولا يرتضي التبعية، ينهض من أرض اليمن، ويستوحي قراره من نبض شعبه، لا من خارج الحدود.
إن التوافق الوطني لا يُستورد، ولا يُفرض، بل يُبنى من داخل الأرض اليمنية، برؤية يمنية خالصة، وإرادة حرة. ولا يمكن أن ننهض وقرارنا مرتهن، وتوجهاتنا تُملى من الخارج. آن أوان التحرر من كل تبعية، ومن كل مظلة خارجية تسلبنا سيادتنا، وتدفعنا إلى مستنقع التسول والإذلال.
كفى تسولاً! عيب على بلد يزخر بالخيرات، ويملك من الثروات ما يكفي لينقله إلى مصاف الدول المستقرة، أن يبدأ نهاره بمذلة الاستعانة، وينهيه بانتظار المنح والمساعدات. العيب ليس في الأرض، بل فيمن يديرها. اليمن ليست فقيرة، لكنها مُستغلَّة وسوء الإدارة أفقرها.
اليمن بحاجة إلى قبضة من حديد في وجه الفساد، وإرادة لا تلين في وجه الانفلات، وعدالة تقف على مسافة واحدة من الجميع. لا مهادنة مع المفسدين، ولا حصانة لمن خذل الوطن. فإما أن نكون أو لا نكون.
لقد آن الأوان أن نخلع عباءة الحزبية والجهوية، ونلبس ثوب الوطن. آن الأوان أن نختار طريق النهوض، لا طريق الهاوية. فاليمن لا تستحق إلا أن تكون عظيمة، كما كانت، وكما يجب أن تكون.