يعيش اليمن انقساما نقديا واقتصاديا منذ سنوات، يتجسد في وجود بنكين مركزيين؛ أحدهما في عدن، والآخر في صنعاء. وقد أدى هذا الانقسام إلى تباين كبير في السياسات النقدية، خاصة فيما يتعلق بسعر صرف الريال اليمني مقابل العملات الأجنبية، ما أثر مباشرة على معيشة المواطنين، وقوة الريال الشرائية، والاستقرار الاقتصادي في كل منطقة.
أولًا: البنك المركزي في صنعاء – تثبيت سعر الصرف والنتائج المترتبة:
يتبنى البنك المركزي في صنعاء سياسة تثبيت سعر صرف العملة، حيث يبلغ متوسط سعر الدولار الأمريكي في صنعاء حوالي 540 ريالا. ورغم غياب الاحتياطي النقدي الكافي، والقيود المفروضة على الحركة الاقتصادية، يستمر البنك في التدخل المباشر لضبط السوق ومنع تدهور الريال. إلا أن هذه السياسة، رغم تحقيقها لاستقرار نسبي في الأسعار، تعتبر غير مستدامة اقتصاديا، حيث تدار بعيدا عن مبادئ الشفافية، وتعتمد على إجراءات إدارية وأمنية أكثر من كونها أدوات نقدية فنية. كما أنها تؤدي إلى تقييد السوق وخلق فجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق السوداء، إن وجدت، مما قد يخلق اختلالات مستقبلية سيصعب إصلاحها.
ثانيا: البنك المركزي في عدن – سياسة تعويم العملة ونتائجها:
يتبع البنك المركزي في عدن سياسة تحرير سعر الصرف من خلال نظام المزادات، حيث يصل سعر الدولار إلى ما يقارب 2760 ريالا، وتهدف هذه السياسة إلى سحب الفائض من السيولة النقدية من السوق وتقليص الطلب على العملة الأجنبية، إضافة إلى محاولة رفد خزينة الدولة بالمزيد من الموارد لتمويل النفقات الحكومية، وفي مقدمتها دفع الرواتب.
لكن المشكلة تكمن في أن هذا التحرير لم يواكب بإصلاحات حقيقية في الإنفاق العام، والرقابة على الفساد، وتحفيز الإنتاج المحلي، ما جعله يزيد من التضخم ويؤدي إلى تآكل القوة الشرائية للمواطنين، وتنامي الفقر.
من منظور اقتصادي، فإن كلا النموذجين يفتقر إلى الرؤية المتكاملة:
في صنعاء: التثبيت المصطنع للسعر دون غطاء نقدي حقيقي يمثل خطرا على المدى المتوسط والبعيد، وقد يؤدي إلى انفجار اقتصادي داخلي إذا ما حدثت صدمات خارجية أو داخلية مفاجئة.
في عدن: تعويم السعر دون رقابة على مصادر التضخم وسياسات الإصلاح يؤدي إلى تدهور مستمر في قيمة الريال، وهو ما يحدث حاليا.
لا يمكن اعتبار أحد النموذجين صحيحا بالمطلق، فكلاهما يحتاج إلى مراجعة أدواته النقدية ضمن إطار إصلاح اقتصادي شامل يتضمن:
توحيد السياسة النقدية.
إعادة بناء مؤسسات الدولة المالية.
تفعيل أدوات الرقابة والشفافية.
تحفيز الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الاستيراد.
إن استمرار الفجوة بين صنعاء وعدن في سعر الصرف ليس مجرد مسألة تقنية، بل هو انعكاس لانقسام اقتصادي عميق، ويتطلب حلا سياسيا واقتصاديا شاملا يعيد بناء الدولة ومؤسساتها، ويضع حداً للتضخم والفساد والتدهور الاقتصادي. أما المواطن اليمني، فهو الضحية الأولى والأخيرة لسياسات نقدية غير مدروسة في كلا الجانبين.