قبل الخوض في تفاصيل ما ورد في الفيلم الوثائقي الذي بثته قناة "العربية" لا بد أن نستحضر مشاعر الشعب اليمني آنذاك فقد عمت الفرحة قلوب معظم اليمنيين – إن لم يكن جميعهم – حينما أعلن الرئيس السابق علي عبدالله صالح موقفه الرافض للحوثيين. لم يكن ذلك حبًا مطلقًا في شخصه بل لأن الغالبية رأت في مواجهته لهم بارقة أمل للخلاص من تلك الجماعة.
أتذكر جيدًا أنني كنت آنذاك في ماليزيا ورغم فارق التوقيت بين كوالالمبور وصنعاء كنت أتابع كل شاردة وواردة عبر مواقع التواصل والمنصات الإخبارية. وكم كان وقع خبر مقتله صادمًا لا حزنًا عليه بذاته بل لأننا كنا نتمنى أن يكتب النصر على يديه وأن لا يكون النصر حليفًا للحوثيين. في نظري كان هذا الشعور مشتركًا بين معظم أبناء الشعب.
أما عن ما ورد في الوثائقي وبحكم متابعتي المستمرة لتلك الأحداث منذ لحظاتها الأولى وحتى اليوم ورغم تعدد الروايات التي سمعتها فإنني أرى أن ما ورد في الفيلم أقرب ما يكون للحقيقة لكنه ليس الحقيقة الكاملة. يمكن القول إنه عرض "خلاصة النهاية" لا كل فصول القصة. فهناك تفاصيل غابت أو ربما لم يحن أو يسمح بعد بالكشف عنها.
قصة خروج صالح من منزله تبدو في ظاهرها صحيحة لكن الطريقة التي طرحت بها تفتقر إلى المنطق في بعض جوانبها. من يعرف صنعاء جيدًا ويدرك موقع مساكن صالح ويحيط بتركيبة المنطقة الجغرافية والأمنية سيدرك أن خروج ثلاثة مواكب في منطقة محاصرة بالدبابات والمدفعية ومئات المقاتلين ليس أمرًا ممكنًا إلا إن وجد طريق سري أو أن المواكب لم تخرج من ذات الموقع في تلك اللحظة وهذا رأيي الشخصي بناء على المعطيات.
وفيما يخص إغفال الحديث عن طارق صالح أو عن بعض الشخصيات المحورية في تلك الأحداث فإنني أعتقد أن المخرج تعمد تأجيل ذلك إما بحكم التوقيت أو لضغوط تتعلق بالمحتوى. وربما تم إبلاغ الشهود والمتحدثين بتجنب ذكر بعض الأسماء لدواع خاصة وطارق صالح من بينهم.
أما الرئيس السابق صالح فقد رحل كما رحل سواه من رجالات الدولة من السياسيين والعسكريين والأمنيين. حمل معه أخطاءه وحسناته غير أنه ورغم كل شيء يستحق أن نصفه بالشجاع. فقد أدرك حجم الخطأ بتحالفه مع جماعة الحوثي وسعى في لحظة صدق إلى تصحيح مساره. وموته على أيديهم كان بمثابة كفارة لخطأ التحالف وعودة إلى جادة النضال ضد مشروع الإمامة.
رسالتي لكل يمني لا يزال يحمل في قلبه تقديرًا لصالح أن لا ينسى وصاياه الأخيرة ولا يهمل ندائه الصادق في لحظاته الأخيرة. فقد دلكم على الطريق ورسم لكم الخلاص. فانهضوا وكونوا على قلب رجل واحد لاقتلاع هذا المشروع الكهنوتي الذي سلب اليمن أمنه وحريته.
وفي الختام نسأل الله أن يرحم البلاد والعباد وأن يدرأ عنها شر الأشرار وكيد الفجار وأن يكتب لنا الأمن والاستقرار ويعيد لليمن وجهه المشرق ومستقبله الموعود إنه سميع مجيب.
ناصر محمد عشال