وصية الدم بين الغدر والجحود... فهل أنتم لها؟
في زمن الانكسارات والانقسامات، وبين صخب الشعارات المتضاربة، بثّت قناة "العربية" مؤخرًا فيلمًا وثائقيًا عن اللحظات الأخيرة من حياة الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح. وبينما انشغل كثيرون بالتحليل والتأويل، غابت عن النقاش وصيته الأخيرة؛ تلك التي لم تُكتب بحبر السياسة، بل خُطّت بدمه، وسُجّلت بجسده المسجّى على تراب سنحان ـ كما أعلن نجله "مدين" في ذلك الفيلم ـ لا عبر بيانٍ حزبي، ولا من خلال خطابٍ مكرور.
هذا المقال ليس تمجيدًا لصالح، ولا تبريرًا لماضيه، بل قراءة موضوعية لوصيةٍ تحوّلت إلى وثيقةٍ ممهورةٍ بالدم؛ كُتبت في لحظة تحوّلٍ فارقة، حين فكّ الرجل ارتباطه بتحالف الوهم، واستعاد – ولو متأخرًا – بوصلته الجمهورية، ثم قاتل حتى النهاية في جوار مسقط رأسه، بعدما خذله أولئك الذين ظنّهم أوفياء.
صالح قالها بوضوح:
"إن وجدتم هذه الورقة، فاعلموا أن الوطن غالٍ، ولا يمكن لنا أن نتهاون فيه... وصيتي لأولادي وشعب اليمن: ألا تستسلموا للميليشيات الحوثية الإيرانية... لا تقبلوا منهم أي حوار أو تفاوض بعد هذه التجربة المريرة... لقد اتضح للعالم أنهم ليسوا شركاء في بناء دولة، وإنما أدوات بيد إيران."
وفي تسجيله الصوتي الأخير، وجّه نداءه لرفاقه وللوجدان الجمهوري قائلًا:
"لا تستسلموا لهذه الميليشيات الإجرامية، ولا تسلّموهم اليمن الجمهوري، واجعلوا منكم كابوسًا يسرق نومهم."
تلك الكلمات لم تكن انفعال لحظة، بل موقف رجلٍ عاش في قلب السلطة عقودًا، ثم واجه نهايته كمقاتلٍ يحمل قضية.
نحن – وثوار فبراير – لا ننسى.
نظام صالح مثقل بالأخطاء، وذاكرتنا الوطنية لم تُمحَ.
من الانتهاكات التي مورست طوال ثلاثة وثلاثين عامًا من حكمه، إلى الإخفاءات القسرية والمحاكمات الجائرة التي طالت مناضلين ناصريين، دُفنوا في مقابر بلا شواهد.
ولا تزال أسرهم تنتظر من يدلّها على أماكن رفاتهم، لتزورهم وتقرأ الفاتحة على قبورهم المجهولة.
ذاك هو أمل أسر شهداء حركة 15 أكتوبر ومحبيهم... ليس تهاونًا أو تنازلًا عمّا جرى، بل مطالبة واضحة بإنصافهم، والاعتراف بتضحياتهم، وردّ اعتبارهم.
وما يزال الأمل قائمًا في صحوة ضمير من كل من يعرف شيئًا – من أقاربه أو ممّن عملوا معه – ليكشف عن مواقع دفنهم.
وبانتظار قضاءٍ نزيه يعيد للتاريخ كرامته، ويُنصف الشهداء بثلاثة حقوق جوهرية:
• الاعتراف بمظلوميتهم،
• العدالة بمحاسبة من تسبّب في تغييبهم،
• والذاكرة الرسمية بتوثيق أسمائهم وتضحياتهم في سجلات الدولة، ومناهج التعليم، وخطابها العام، ليبقوا أحياءً في ضمير الأمة، لا مجرّد ذكرى في قلوب ذويهم وأحرار الوطن.
ولا ننسى أيضًا شهداء الساحات والمسيرات السلمية، الذين ارتقوا عقب انطلاق ثورة الشباب في فبراير 2011.
نحن اليوم أمام لحظةٍ مفصلية لا تحتمل الالتباس، ولا تقبل التردد.
علينا أن نُميّز بين عبء التاريخ وإلحاح اللحظة، بين فصول المأساة وصدى الوصية.
إما أن نصطفّ الآن دفاعًا عن اليمن الجمهوري،
أو نترك الوطن فريسةً لعودة الإمامة، بوجهها الميليشياوي التابع لإيران، لعقودٍ قادمة، أو ربما لقرون.
فاللحظة تتطلب اصطفافًا وطنيًا واسعًا،
يُبقي خلافاتنا تحت مظلة الدستور والقانون وصوت الشعب، لا على فوهات البنادق.
نداء للمؤتمريين:
وصية صالح ليست دعوةً لتكرار تجربته، بل نداءٌ للاستفاقة والمراجعة.
لا تجعلوا الحزب أداةً للانتقام، أو ذيلًا لمشروعٍ إماميٍّ مذهبيّ.
لقد آن لحزب الدولة أن يلملم صفوفه، ويتّحد تحت قيادة موحّدة تنهي تشتّته الذهني والتنظيمي، وينتقل من خانة التردّد والتشظّي إلى موقع الفعل الوطني.
ما جرى بعد مقتل صالح يثبت حقيقة المشروع الحوثي؛ ففي 31 يوليو 2025، وبعد بثّ الفيلم الوثائقي، أصدرت محكمة حوثية حكمًا بإعدام نجله، السفير أحمد علي، ومصادرة ممتلكاته، في خطوةٍ سياسية بحتة تكشف عمق الرعب من أيّ دورٍ قادم له.
والمفارقة أن الحكم تعامل معه كما لو كان لا يزال موظفًا رسميًا، رغم أنه خرج من الخدمة العسكرية منذ أن أصدر الرئيس عبد ربه منصور هادي قرارًا بهيكلة الجيش، ثم عُيّن سفيرًا لليمن في دولة الإمارات العربية المتحدة، قبل أن يُستبدل لاحقًا.
وبسبب العقوبات الدولية التي فُرضت عليه، توارى عن الأنظار حتى رفعت لجنة العقوبات تلك الإجراءات؛ وكأن الحوثيين أرادوا استباق أيّ تسوية مرتقبة قد تعيده إلى الواجهة، فبادروا إلى زرع الألغام في طريقه، منعًا لتحوّله إلى رقم في مستقبل اليمن.
إنه عبثٌ يخفي فزعًا من عودة الحرس الجمهوري، عبر بوابة رمزية يمثلها أحمد علي؛ فالرجل، وإن غاب عن المشهد الرسمي، لم يغب عن حسابات الفاعلين... وهذا ما يُقلقهم.
وتوالت الاعتقالات بحق كوادر المؤتمر، وتكثّفت الانتهاكات ضد قياداته، وكان آخرها اقتحام اجتماعهم في معهد الميثاق بصنعاء وفضّه بالقوة، ثم محاصرة منزل الشيخ صادق أبو رأس وبعض قيادة المؤتمر في صنعاء؛ في مشهدٍ يكشف أن المشروع الحوثي لا يؤمن حتى بشراكةٍ صُورية.
كل هذا يفرض على المؤتمريين أن يرتقوا إلى مستوى التحدّي، وأن يعيدوا لليمن صوته الجمهوري، بعيدًا عن وصاية الدم والسلاح، وعن وهم "الولاية" المستوردة.
رسالتي إليكم – أبناء صالح والمؤتمريون الأحرار:
تبنّوا وصيته، لا إرثه.
انحازوا للوطن، لا للرماد.
كونوا رجال ما بعد الوصية، لا حرّاس ما قبلها.
صالح تأخّر، لكنه استدرك.
قد يُغفر له تأخّره، لكن لن يُغفر لمن يخون وصيته بعد أن قدّم روحه.
صالح رحل... وبقيت الوصية!
فهل أنتم لها؟
أم ستدفنونها مرتين:
مرةً في تراب الغدر،
وأخرى في صمت الجحود؟