أسوأ ما في هذه المرحلة التي نعيشها أننا كشعب تحوّلنا، دون وعي، إلى قطاعات بشرية منفصلة عن بعضها، مغيّبة أو جاهلة بحقوقها. ساعدنا أرباب الفساد في الدولة والأحزاب على المضي في أكل حقوقنا، والتهاون في واجباتهم تجاهنا. عشنا واقع العجز والعوز والحاجة وقلة ذات اليد، فاستسلمنا للفقر، ورضينا بخذلان الدولة التي تسيرها الأحزاب، وتوقفت عن أداء دورها بسببهم. فكنا ولا نزال ضحايا لهذا الطغيان والتجاهل الحزبي المقيت.
لقد دفعنا ثمن السكوت عن حقنا في العيش بكرامة من حساب لقمة العيش التي نطعم بها أبناءنا، ومن حساب رعايتهم وتعليمهم وصحتهم، ومن راحة بالنا واستقرار وضعنا الأسري. إننا نعيش معاناة تجويع صامت، لم يلتفت إلينا أحد، صرخنا وما زلنا نصرخ كل يوم من أجل غزة، متناسين حالنا البائس. وقد أثبت لنا أبناء حضرموت وعدن هذا المعنى، عندما خرجوا يتظاهرون في وجه من جوع الشعب وتجاهل حقه في الحياة. لقد كان خروج المتظاهرين في المكلا وغيرها صوت اليمن البائس المنتفض، الرافض لتجويعه. وما إن وصل صوتهم إلى أصحاب المقام الرفيع، المتورطين في سلبنا ونهبنا، حتى ارتعدت فرائصهم، وبدأت عملية التصحيح لإصلاح الوضع الاقتصادي.
الشعب بيده أن ينتزع حقه في الحياة من بين أنياب أي كائن مفترس، والشعب وحده، بصمته وتطبيله لجماعات الحكم التي تستولي على مقدّراته، هو من يسهم في شقائه. وأمامنا فرصة سانحة للمطالبة بحقوقنا، ورفض ربط الفساد والعجز في الدولة بالحرب بيننا وبين الحوثيين.
لقد آن الأوان أن يعود الشعب إلى مربع الضغط والتظاهر السلمي؛ فنحن لسنا أقل من شعب غزة، ومعاناتنا ليست محل مقارنة بيننا وبينهم، وإذا كانت غزة بحاجة إلى التضامن، فنحن أحق به. وكفى تمييعًا للقضية، وتحريكًا للجماهير المخدّرة بقضايا لا ترتبط بحقوقها. ليكن كل صوت يمنيّ حرّ عاليًا، من أجل أمان أبنائنا وتأمين لقمة عيشهم.
لقد آن الأوان أن نقف على أرضية واحدة في المطالبة بحقوقنا، وأن نضع حدًا لوهم "تضامن الجياع في اليمن مع جياع غزة"، فقد أُريد بهذا الشعار سلخنا عن واقعنا.
وما قامت به الدولة من تصحيح أخير للوضع الاقتصادي هو خطوة مهمة وضرورة ملحّة، يجب أن تُستكمل لتحقيق عدالة الدولة وإنصاف المجتمع. فالأمن الغذائي، وتأمين أبسط حقوق الشعب في العيش الكريم، بما يكفي كل أسرة من العوز والفاقة والفقر، هو من أقدس الواجبات. ولا بد أن تسند الأحزاب والقوى المتحكمة في الشعب هذا التوجّه، لأنه يخصّ كل الفئات. فقد بلغ السيل الزُبى.
الصورة للمظاهرات الشعبية المطالبة الإصلاح الحكومي للوضع الاقتصادي في المكلا.
والثانية لوقف احتجاجية تضامنية مع أهل غزة في مأرب.