في ظل أزمة مستعصية ومشهد سياسي متأزم، يطل اليمن اليوم على منعطف خطير، حيث تبدو الأرضية مهيأة لاتخاذ قرارات صعبة وحاسمة. بعد أشهر من الانهيار الاقتصادي والتدهور الأمني، سجلت الشرعية مؤخرًا خطوات إيجابية على ثلاثة مسارات رئيسة: الأمن، والاقتصاد، والنقد.
هذه التطورات تشير إلى احتمالات متزايدة، وقد تمثل نقطة تحول حاسمة في المشهد اليمني المتشابك.
أمنيًا، تم إحباط عمليات تهريب أسلحة، وتضييق الخناق على خلايا إرهابية تستهدف الاستقرار. هذه الخطوات الأمنية لا بد أن تُقوّي أواصر الثقة بين المواطن والدولة، وتفتح الباب أمام استقرار نسبي في مناطق الشرعية.
اقتصاديًا، فرضت الحكومة إجراءات رقابية أدت إلى ضبط أفضل للموارد ووقف النزيف المالي. ومن دون شك، هذا النجاح يعكس إرادة جادة لتقليص الفساد وتحسين إدارة الموارد، مما يمكن أن يمهّد الطريق لمزيد من الإصلاحات الضرورية.
نقديًا، شهدت العملة المحلية تحسّنًا ملحوظًا لأول مرة منذ فترة طويلة. في ضوء ذلك، يبرز التساؤل: هل سيكون هذا التحسن بداية حقيقية لعودة الثقة في الاقتصاد الوطني، أم أنه مرحلة مؤقتة في مسار طويل من التحديات؟
هذه المكاسب، رغم حداثتها، تُعد الخطوة الأولى نحو ما ألمح إليه الرئيس رشاد العليمي بعبارة ذات دلالة عميقة:
"فأشار إلى أن لجنتي تنظيم الواردات والمدفوعات من أبرز أدوات هذا التحسن، مثمناً دور كل من أسهم في هذا التحول الهام، قائلاً إن استعادة الثقة ما تزال تتطلب قرارات صعبة لكنها ضرورية."
نعم! تنتظرنا "قرارات صعبة... لكنها ضرورية". في ظل هذا الواقع، لا يمكننا تجاهل حجم التحديات المتراكمة التي تستدعي قرارًا حاسمًا وصارمًا.
لكن، ما طبيعة هذه القرارات؟ وما الذي تُهيئه هذه النجاحات الحذرة؟
هنا تبدأ الأقاويل والتوقعات التي تتراوح بين:
· حسم عسكري قادم، في ظل تعثر الحلول السياسية وفشل التوصل إلى اتفاق وطني متماسك. قد يكون لهذا الخيار تداعيات عميقة على بنية النظام السياسي، وربما يعيد رسم الخارطة الأمنية للبلاد.
· إعادة هيكلة مجلس القيادة الرئاسي، بعد تعثر اجتماعاته وتصاعد الخلافات الداخلية، قد تشمل إدخال لاعبين جدد من خلف الكواليس، وربما وجوهاً من الماضي مثل أحمد علي عبد الله صالح. هذا السيناريو قد يشكل تحديًا كبيرًا للتحالفات الحالية، ويطرح تساؤلات حول جدوى العودة إلى الوجوه التقليدية في ظل المتغيرات الراهنة.
· استعداد دخول وجوه سياسية قد تعيد تشكيل المشهد، وهو أمر قد يثير جدلاً واسعًا، وربما يُربك التحالفات القائمة، ويعيد رسم خطوط المواجهة.
في الواقع، المشهد السياسي اليمني يشبه رقعة شطرنج ضخمة تتداخل فيها المصالح والأهداف، ويتطلب قراءة متأنية لكل خطوة وتحرك.
تأخذ الصورة أبعادًا أكثر تعقيدًا، إذ تشير مصادر مقربة إلى أن الحوثيين، الذين يبدو أنهم كانوا على علم مسبق بخطط إدخال لاعبين جدد إلى المشهد السياسي مثل أحمد علي عبد الله صالح، قاموا باستباق الأحداث بإصدار أحكام بالإعدام عليه، في محاولة لفرض قيود وعرقلة مستقبله السياسي في إطار التفاوض والحوار، مما يستدعي من الجميع النهوض لمنعهم من إحكام قبضتهم على المشهد وقطع الطريق أمام أي تسوية مستقبلية.
هذه الاحتمالات لا تقف بمعزل عن التحركات السياسية التي تجري خلف الكواليس، حيث التقى الرئيس العليمي مرتين خلال أقل من شهر ونصف بقيادات التكتل الوطني، وهو الحامل الرسمي للشرعية ومعظم أحزابه المشاركة في مجلس القيادة الرئاسي والحكومة، في كل من عدن والرياض.
اللقاءات حملت رسائل علنية طمأنت الداخل وأعادت الثقة إلى الخارج، لكنها خلف الأبواب المغلقة كانت فرصة لتبادل إشارات غير معلنة توحي بأن المشهد يقترب من لحظة حاسمة.
وفي الاجتماع، شدد الرئيس على دور القوى السياسية والمجتمعية في دعم جهود مجلس القيادة الرئاسي والحكومة لإنجاز الاستحقاقات الوطنية الكبرى، بدءًا بدعم الإصلاحات الاقتصادية الشاملة وتعزيز المركز القانوني للدولة في العاصمة المؤقتة عدن وبقية المحافظات.
لكن، لم نلحظ حتى الآن صدور بيانات دعم أو تأييد من التكتل للإجراءات التي تمت عقب الاجتماع الأخير، ربما بفعل الصدمة من القادم الأعظم أو لأسباب أخرى. وهذا يعكس عمق التباينات داخل المشهد السياسي، ويثير تساؤلات حول إمكانية تحقيق توافق حقيقي قريبًا.
وأعرب الرئيس عن أمله في أن تكون الأحزاب شريكًا فاعلًا في الدفع بـ"الاستحقاقات القادمة" بروح الفريق الواحد التي تتجاوز الحسابات الضيقة، وتضع اليمن فوق كل اعتبار.
على نفس الصعيد، اجتمع التكتل الوطني مع البعثة الأمريكية، ناقش خلالها ملف الحوثيين وتداعيات الانهيار الاقتصادي، ما يؤكد الدعم الخارجي للمسار الحالي، وكذلك حرص القوى الوطنية على توحيد الصف لمواجهة التحديات.
وهو ما أكد عليه الأخ الرئيس بقوله: "إن المجلس والحكومة يعملان بالتنسيق مع الأشقاء والأصدقاء على تعزيز مسار الإصلاحات الشاملة، واستعادة ثقة المجتمع الدولي، خصوصًا فيما يتصل بمضاعفة التدخلات الإنمائية، والمساعدات الإنسانية للشعب اليمني. ولفت إلى أن استعادة الثقة مع الجميع لا يمكن أن تبنى فقط على النداءات، بل على الوقائع، وتحسين الأداء، وشفافية القرار، والمساءلة."
في قلب هذه التحركات:
· الرئاسة تسعى إلى تفويض شامل لقيادة المرحلة القادمة، وهو تفويض قد يحمل معه خيارات صعبة لكنها ضرورية.
· التكتل الوطني يطالب بالمشاركة الفاعلة في اتخاذ القرار، فلا يريد فقط تأييدًا شكليًا، بل موقعًا فاعلًا في صناعة القرار السياسي والاستراتيجي.
وبين هذا وذاك، يبقى الشارع اليمني متحفزًا ومتشوقًا، ينتظر بصبر محموم أن تُعلن الاستحقاقات الوطنية المصيرية الكبرى التي لا شك من بينها ساعة الصفر التي قد تغيّر قواعد اللعبة.
فهل سنشهد بيانًا حاسمًا يعيد تشكيل السلطة؟
أم معركة عسكرية جديدة قد تفرض واقعًا ميدانيًا مختلفًا؟
أم مزيجًا من الاثنين، يخلط أوراق الأزمة ويعيد ترتيبها؟
ختامًا،
النجاحات الأمنية والاقتصادية والنقدية لم تكن سوى تمهيد هادئ، والأيام القادمة قد تحمل معها قرارات صاخبة تغيّر ملامح البلاد. اليمن اليوم على حافة قرار حاسم، والمشهد السياسي هو رقعة شطرنج ضخمة، حيث يهيئ الجميع تحركاتهم الأخيرة.
والسؤال الأكبر الذي يطرحه كل يمني: من سيعلن أولًا أن ساعة الصفر قد دقت؟ وأن القيادة توحدت وتحركت؟
إن الوقت قد حان لكل القوى الوطنية والأطراف الفاعلة أن تضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، وأن تتحلى بالشجاعة والحكمة لاتخاذ القرارات التي تنهض باليمن نحو مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا. فالوطن يحتاج إلى إرادة صلبة، وصوت موحد، وعمل جماعي يقطع الطريق أمام الفوضى والتشتت.
لنجعل من هذا المنعطف فرصة حقيقية للتغيير والإصلاح، ولنؤمن معًا أن اليمن قادرة على تجاوز أزماتها، إذا توحدت قواه وأيقنت أن النهوض يبدأ بقرار مسؤول وموقف مشترك.
اليمن تنتظرنا، فهل نحن على قدر التحدي؟