آخر تحديث :الإثنين-01 سبتمبر 2025-12:54ص

إحاطة غروندبرغ أمام مجلس الأمن: لهجة أوضح وانتقادات أجرأ…

الأربعاء - 13 أغسطس 2025 - الساعة 02:13 م
د.علي العسلي

بقلم: د.علي العسلي
- ارشيف الكاتب


د. علي العسلي


شهدت جلسة مجلس الأمن، يوم الثلاثاء 12 أغسطس 2025، إحاطة غير مسبوقة من المبعوث الأممي إلى اليمن، هانس غروندبرغ، تميزت بلهجة صريحة وواضحة تجاه المليشيات الحوثية وممارساتها الأحادية. حملت إحاطته هجومًا لم يسبق أن بدر منه أو من المبعوثين السابقين بهذا الوضوح، ما أثار رد فعل عنيف من الجماعة، التي هددت بإنهاء مهمته إذا لم يغيّر ما وصفته بـ"الانحياز لطرف واحد". في المقابل، رأت الحكومة اليمنية في هذه الإحاطة فرصة لتعزيز موقفها الدبلوماسي على المستوى الدولي.



غروندبرغ، الذي اعتاد في إحاطاته السابقة اعتماد لغة دبلوماسية متوازنة، قال هذه المرة بوضوح إن "القرارات الأحادية، مثل إصدار الحوثيين عملات معدنية من فئة 50 ريالًا وأوراق نقدية من فئة 200 ريال، تزيد من تجزئة الريال اليمني وتعرقل أي جهود مستقبلية لتوحيد الاقتصاد". وأشاد في المقابل ولأول مرة بخطوات البنك المركزي في عدن، ما أظهر ميلاً واضحًا لدعم قرارات الحكومة الشرعية في الملف الاقتصادي. وربط المبعوث هجمات الحوثيين على السفن المدنية في البحر الأحمر مباشرة بعرقلة العملية السياسية، واعتبر إعلان 27 يوليو لتوسيع قائمة الأهداف البحرية مؤشرًا خطيرًا. وأكد أن هذه الهجمات أدت إلى تدمير شبه كامل لمرافق موانئ محافظة الحديدة، ما يهدد النشاط التجاري والإمدادات الإنسانية بشكل كبير.


أعاد المبعوث المطالبة علنًا بالإفراج الفوري عن 23 موظفًا أمميًا وآخرين، وهو ملف حساس يقلق الحوثيين ويمس صورتهم دوليًا، مشددًا على "عدم قبول استمرار الحوثيين في احتجازهم، ومطالبًا بالإفراج الفوري عنهم". هذا الملف، الذي كان يُذكر سابقًا بشكل عابر، أصبح هذه المرة أحد المحاور الرئيسية في خطابه. كما أشار إلى هجوم العلب في صعدة بتاريخ 25 يوليو مع توضيح الخسائر، وبيّن تعزيز الحوثيين مواقعهم في الحديدة، وهو مستوى من التفاصيل لم يكن حاضرًا في إحاطاته السابقة. كما تخلى جزئيًا عن صيغة "كافة الأطراف" ليُسمي الحوثيين بالاسم في أكثر من ملف، ما يعكس لهجة أقل حذرًا وأكثر تحميلًا للمسؤولية.


الجدير بالذكر، ووفقًا للمصادر، أن الأنشطة الحوثية قد تصاعدت إلى ذروتها خلال الأسابيع الأخيرة، مع إعلان الجماعة حالة التعبئة وتسارع جهودها ميدانيًا لبناء التحصينات وحفر الخنادق والأنفاق وزرع الألغام في خطوط التماس. وتشير المعلومات إلى أن المليشيات دفعت بتعزيزات قتالية، شملت كتائب جديدة استكملت تدريبها حديثًا، ونُقلت إلى جبهات مأرب والجوف والبيضاء ولحج والضالع وتعز والحديدة وحجة. وتضم هذه التعزيزات كتائب خاصة، وقوات من الفصائل "الجهادية"، ووحدات دروع وقناصة، وطائرات مسيرة، ومدفعية ميدانية وصاروخية، بينما اقتصرت إحاطة المبعوث على ذكر صعدة والحديدة فقط.


وجاء رد الحوثيين حاد اللهجة ضد المبعوث، حيث اعتبر بيان لجمال عامر، منتحل صفة "وزير الخارجية" التابع للجماعة، أن الإحاطة "لم تقدّم وصفًا دقيقًا ومحايدًا للواقع"، متهمًا المبعوث بتنفيذ "أجندات خارجية"، ومحذرًا: "استمرار المبعوث في تمثيل الدول المعتدية قد يدفعنا لاتخاذ قرار بإنهاء عمله". كما برّر الحوثيون سك العملة الجديدة بأنه "إجراء ضروري لحماية الاقتصاد الوطني"، واعتبرت التعزيزات العسكرية في الحديدة "ردًا طبيعيًا على تهديدات العدوان".



من جانبه، أكد المندوب الدائم لليمن لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، في كلمته أمام مجلس الأمن، أن الحوثيين هم الطرف المعرقل لأي تقدم في عملية السلام، مستشهداً بخرقهم المستمر للهدنة وتعنتهم في فتح الطرق وتصعيدهم العسكري والاقتصادي، بما في ذلك فرض العملة الجديدة واحتجاز الموظفين الأمميين. وأشاد السعدي بإشارات غروندبرغ إلى هذه الانتهاكات، لكنه دعا المجلس إلى "الانتقال من الإدانة اللفظية إلى إجراءات عملية لردع الحوثيين وداعميهم".


المختلف في إحاطة غروندبرغ هذه المرة يتمثل في الوضوح المباشر في توصيف ممارسات الحوثيين كقرارات أحادية تعرقل توحيد الاقتصاد، والإشادة بخطوات البنك المركزي، وربط التصعيد في البحر الأحمر بتدهور الوضع الإنساني، وإعطاء ملف المحتجزين الأمميين أولوية، والإشارة بالأسماء والوقائع إلى الهجمات الميدانية الأخيرة بدل الاكتفاء بعبارات عمومية.


لغة غروندبرغ تمثل رسالة مزدوجة: أولاً، أنه لم يعد مقبولاً المراوغة في ملفات أساسية كالوضع الاقتصادي وحرية الملاحة، وثانيًا، أن مجلس الأمن بات يمتلك أرضية أوضح لتحميل الحوثيين المسؤولية. الإحاطة جاءت كنقلة نحو تحميل الحوثيين مسؤوليات واضحة دون مواربة، لذلك كان الرد العنيف منهم محاولة لتضييق هامش المناورة والإبقاء على دينامية التخفي والتهرب. تهديد الحوثيين للمبعوث يكشف عن حساسية موقفهم وخشيتهم من أن تتحول هذه الإحاطات الواضحة إلى قرارات أممية أكثر إلزامًا، بينما يمكن للحكومة استثمار هذا الموقف لتقوية حضورها السياسي والدبلوماسي في الأمم المتحدة. التهديد الحوثي قد لا يوقف مهمة غروندبرغ، لكنه يضعه أمام اختبار: هل سيحافظ على نفس اللهجة في إحاطاته المقبلة أم سيعود إلى الصيغة المهادنة؟


الأهم أن لهجة غروندبرغ الجديدة توحي بتغير المزاج الدولي تجاه الحوثيين، حيث بدا واضحًا أن المجتمع الدولي بات أكثر استعدادًا لفرض ضغط متزايد عليهم وربط أي تراجع في العملية السياسية بانتهاكات محددة. هذا قد يُفهم كإشارة أولية على توجه نحو تقليص هامش السيطرة الحوثية على المشهد اليمني، أو تمهيد لقرارات أكثر صرامة مستقبلًا، دون أن يعني ذلك بالضرورة إعلانًا فوريًا لإنهاء وجودهم العسكري أو السياسي.


توصياتنا الختامية العملية لهذا المقال تشمل:



1. اعتماد لغة المبعوث هانس غروندبرغ كأساس ثابت في الإحاطات المستقبلية لضمان الوضوح والمصداقية.



2. استثمار وضوح المبعوث الأممي في بناء تحالف دبلوماسي يدفع مجلس الأمن نحو تبني قرارات أكثر صرامة تجاه الانتهاكات.



3. وضع جدول زمني واضح للإفراج عن المحتجزين وربطه بإجراءات عقابية في حال المماطلة.



4. تعزيز آليات الرقابة على القرارات الاقتصادية الأحادية ومنع تهريب السلاح عبر البحر الأحمر.



5. توحيد الخطاب الإعلامي والسياسي في المحافل الدولية لزيادة الضغط على الحوثيين.



6. ربط تقديم المساعدات الاقتصادية بوقف الإجراءات الأحادية وتعزيز التمثيل الجماعي.



7. دعم دور الشباب والمجتمع المدني كشركاء فعّالين في جهود السلام.



8. تعزيز مراقبة البحر الأحمر وتفعيل آليات حماية الملاحة الدولية من التهديدات.