في زمنٍ تتكاثر فيه الكوارث، وتتناسل فيه الأوجاع، يصبح الحديث عن الوطن فعلًا مرهقًا، بل يكاد يتحول إلى طقسٍ من طقوس الألم. لم يعد في الحنجرة ما يُقال، ولا في القلب ما يُترجم إلى كلمات. كأن اللغة نفسها ضاقت ذرعًا بالتكرار، وكأن الحروف أعلنت العصيان على واقعٍ لا يتغير.
كلما حاولنا أن نكتب، أن نصرخ، أن نُعبّر، اصطدمنا بجدارٍ من اليأس. فكيف نعيد صياغة الحزن للمرة الألف؟ كيف نمنح المأساة وجهًا جديدًا وهي ترتدي ذات الثياب منذ عقود؟ أصبح الحديث عن الوطن كمن يحاول أن يصف الجرح ذاته كل يوم، دون أن يملك ضمادًا أو دواء.
ليس الصمت هنا هروبًا، بل هو شكلٌ من أشكال المقاومة. حين تُستنزف الكلمات، يصبح الخرس فعلًا ناضجًا، موقفًا من عالمٍ لم يعد يصغي. نحن لا نتوقف عن الكلام لأننا لا نحب الوطن، بل لأننا أحببناه حدّ الإنهاك، حدّ أن صارت الكلمات عاجزة عن حمل هذا الحب المثقل بالخذلان.
في لحظةٍ ما، يتوقف الإنسان عن الحديث، لا لأنه لا يملك ما يقول، بل لأن ما يقوله لم يعد يُحدث فرقًا. هذا هو حالنا مع الوطن. وطنٌ نحبّه حتى الاختناق، ونحمله في قلوبنا كجمرٍ لا ينطفئ، لكننا لم نعد نملك القدرة على الحديث عنه. فقدنا شهية الكلام، لا لأننا تخلّينا، بل لأننا استُنزفنا.
كل كلمة تُقال عن الوطن تبدو مكررة، باهتة، عاجزة عن التعبير. كأن اللغة نفسها لم تعد تحتمل هذا الثقل. الكلمات التي كانت تُشعل الحماسة، وتُلهب القلوب، أصبحت مجرد أصواتٍ تتلاشى في الفراغ. حتى الشعر، ذلك الملاذ الأخير، صار يتيماً أمام مشاهد الخراب.
نكتب، نصرخ، نناشد، لكن لا أحد يُصغي. كأن الوطن نفسه أغلق أذنيه، أو كأن من يديرونه لا يملكون قلوبًا تسمع. في هذا الصمت القاتل، يصبح الكلام عبثًا، ويصبح الصمت أكثر صدقًا. نحن لا نصمت لأننا لا نهتم، بل لأننا تعبنا من أن نُهمل.
كل مرة نُحاول أن نُعيد الأمل، يُصفعنا الواقع. كل مرة نُراهن على التغيير، يخسرنا الوطن. هذا الخذلان المتكرر جعلنا نُعيد النظر في جدوى الحديث، في جدوى الحلم، في جدوى الكتابة. هل نكتب لنُشفى؟ أم نكتب لنُذكّر أنفسنا بأننا ما زلنا نحلم؟ حتى الحلم صار فعلًا مؤلمًا.
قد يكون الصمت هو الشكل الأخير من أشكال المقاومة. أن نرفض أن نُعيد إنتاج الألم، أن نُعلن أن هذا الوطن يستحق أكثر من كلماتٍ تُقال ثم تُنسى. أن نُطالب بالفعل، لا بالخطابة. أن نُعيد تعريف الحب، لا بالصراخ، بل بالعمل، بالصبر، بالانتظار الذي لا يُكسر.
ربما المشكلة ليست فينا، بل في وطنٍ لا يسمع، لا يرى، لا يشعر. وطنٍ اعتاد أن يُدار بالصراخ، أن يُحكم بالوجع، أن يُروّض بالخوف. في مثل هذا المناخ، تفقد الكلمات معناها، وتتحول إلى صدى لا يصل، إلى نداءٍ لا يُجاب.
رغم كل شيء، يبقى في القلب نبضٌ خافت، أملٌ هشّ، بأن يأتي يومٌ تُستعاد فيه شهية الحديث، لا عن الأوجاع، بل عن الأحلام. أن نكتب عن وطنٍ يُشفى، لا عن وطنٍ ينزف. أن نُعيد للكلمات بهجتها، وللصوت قوته، وللأمل مكانه.