آخر تحديث :الإثنين-06 أبريل 2026-01:32ص

نحن اليوم في اليمن أمام مفترق طريق حضاري

الأحد - 21 سبتمبر 2025 - الساعة 02:35 م
صابر الجرادي

بقلم: صابر الجرادي
- ارشيف الكاتب


لا يكمن الخطر الوحيد في الميليشيات، بل في مجلس قيادة كما نسميه أو تم تسميته وتسويقه،من قبل اطراف خارجية.

وحيث صارت هذه المجموعة رسمية كان يفترض أنها تجسد الوحدة وتوطّد الدولة، بينما هي في الواقع تعمق الانقسام وتغذي تفكك الوطن.

لذا لا أبدأ ندائي بثورة ضد السلاح وحده، بل بثورة تبدأ من قلب السلطة—ضد مجلس القيادة الذي أضحى، بدلا من أن يكون جسرا، للبناء والدولة والنمو، محفزا للتمزق، ومضاعفا لضعفنا بدلا من أن يوحدنا..


صار اليمن في كل مكان أكثر ضفعا، وأملا، بل فقد ذلك البصيص في استعاده دولته، لا حتى في أن يعيش بكرامة تحت سيطرة هذا المجلس.. إن الخطر الحقيقي الذي يهدد اليمن اليوم يكمن خلف هذا المجلس وليس خلف الميليشيات وحدها؛ لأن الميليشيات تضعف وتنهار حينما نتوحد، بل صار اليمن يعرف بأسمها أمام العالم، حتى أمام الولايات المتحدةالأمريكية، أما المجلس الذي يعزز الانقسام، والذي في بقاىة وطول أمده يثبت أوتاده في كل تمزق لنا، ويعزز حالة اليأس لدى اليمني..


عندما تقرّ الحكومة أو ما يسمّى بالمجلس أنه "قيادة" بينما تظل قراراته متشققة، ولا يتفق أعضاؤه على رؤية واحدة للدولة، فإننا في حقيقة الأمر أمام آلة تحرس الانقسام بدل أن تداويه..

المشهد السياسي في السنوات الأخيرة كشف عن صراعات داخلية، استقالات، وتخبطًا في إدارة المؤسسات؛ هذا الانقسام ليس تفاصيل داخلية فحسب، بل سبب مباشر في إبقاء اليمن موزعا بين جزر سياسية متنافرة.


وإذا أردنا مواجهة المخاطر الكبرى —الاقتصادية والإنسانية والسياسية— فإن أول خطوة ثورية هي إزاحة كل ما يعزز الانقسام من حكومة ومجلس لا يملكان مشروعًا واضحًا للانصهار الوطني..

التفتوا إلى الواقع: المدن والمحافظات التي يُفترض أن تكون شرايين الحياة صارت محميات منعزلة. تعز التي تُقاسَم على امتداد سواحلها تسميها بعض السياسات والإعلام بـ"الساحل الغربي" تعيش تطورا— كما يدعي المنتمون لها — في البنية التحتية، وهؤلاء اغبياء لا يفهمون أهمية المكان الذي تسيطر عليه جماعة عميلة بكل شيء لدول أخرى، جماعة رخيصة لا تعرف معنى الوطنية، وأن تلك التطور في زفلته الخط ليس بالمجان بل بمقابل، وتلك الفئة طعنة في خاصرة الوحدة الوطنية في الحقيقة وهي تُعاني عزلةً مفروضة؛ وهذه العزلة ليست حادثة طبيعية، بل نتاج سياسي يجعل من المسافة بين المدن مسافة بين السيادات والهوية..

أما حضرموت فقد عزلت نفسها أو عُزلت عن عدن، ومأرب بدورها باتت مفصولة عن تعز، وكل ذلك يخلق خرائط محلية صغيرة بدلامن دولة واحدة..

على مدى التاريخ، كلما زاد سكان ومساخة أي دولة كان لها نفوذ وكانت متبوعة لا تابعة، أم التفكك الجغرافي إلى دويلات صغيرة هو يعني إخضاع البلد لدول أخرى، من الذي يقود العالم؟ هم الدول الأكثر سكانا أو مساحة، والدول التي فيها تنوع جغرافي وسكاني تكون أكثر إبداعا من الدول ذات البعد الواحد، والتفكك السياسي هذا يعني أن أي قوة مستفيدة من الانقسام (جهةٌ داخلية أو خارجية) تجد أرضًا خصبة لاستدامة نفوذها..

فتاملوا واقعنا وكل قائد من المجلس يتبع جهة خارجية معينة، أما قائدهم فهو شخص دون هوية ودون حتى جيش يمكن من خلاله أن يعيد أي عضو في المجلس، لقد وضع هذا المجلس بهذه الطريقة، بشكل مدروس وبشكل ذكي من قبل المتحكمين بهم جميعا..


مع أنني لا أؤمن بأن الحل هو العنف المضاد أو تفكيك جديد يجتر عزلة أخرى.

إن ما أريده أن إن الثوار الحقيقيين اليوم يجب أن يكونوا مبدعين في تصور بديل للدولة: دولةٌ لا تكون سلطةً باغية مركزية فحسب، ولا فدرالية طائفية تفصم اللحمة الوطنية، بل كيان إنساني يجعل الإنسان اليمني و الإبداع الإنساني محورًا، ويحترم خصوصيات الشعب وهويته الثقافية.

ويجب أن نعيد إلى الوسط القيم التي تضمن للناس كرامتهم: من حقوق وأمن وأمان وصحة وتعليم. وهي أساسيات عيش أي شعب في العالم وهذا ما نفتقده كيمنين في كل ربوع الوطن..

نعم، نقدر على فعل ذلك من الإبداع، والشعر، والحب، والصداقة، والجمال؛ وهذه قيم تضفي على السياسة روحًا إنسانية بدل أن تحوّلها إلى إدارةٍ مجردةٍ للقدرات العسكرية والاقتصادية،وهي التي يعززها المخرج للمشهد اليمني.


أقولها بصراحة: الميليشيات—بما في ذلك الحوثيون—ستنهار أو تضعف بشدة إذا وقفنا موحدين..

ماذا تقول عنهم قطعوا الراتب؟ وشرعية الفنادق فعلت أسوأ، تاجرت بهم ولم تحميهم، بل تقتل أي شريف وطني يحاول الإصلاح والتنمية. لإن بنيان هذه الجماعة يقوم على تمزقنا، وعلى تداخل المصالح الإقليمية مع هشاشة مؤسساتنا. عندما نتوقف عن تبادل الاتهامات ونبني استراتيجية وطنية حقيقية، حينها ستفقد الميليشيات القدرة على تغذية روافدها الاجتماعية والسياسية.

الثورة التي نريدها هي ثورة وحدة وفكروإنسانية، لا ثورة سلاحٍ ضد سلاح..

ولكي لا نُغالط أنفسنا، علينا أن نعترف بإيجابيات العولمة والاتصال؛ فتعولمنا قد يلغي المسافات وتحول بلادنا المتنازعة إلى قرية واحدة إن استخدمنا هذه الأدوات لصالح تلاقي الشعب وتبادل الأفكار في كل مكان وتقبل كل الثقافات.. لكن ذلك يتطلب بناء مؤسسات قادرة على حماية الهوية دون أن تُغلق الباب على الآخر..

دون تحيز لأي حزب أو جهة لا نحتاج إلى عودة مقيدةٍ إلى انتماءات صغيرة وتحزبات إيدولوجية تُفرق الناس وتستبدل العقل بالإنتماء الضعيف، بل إلى اندماج بين الجميع كما هو الإنتماء بين الروح والجسد أو كالتحالف بين الأسطورة والعقل، خارج منظومات السلطة الطائفية والسياسية التي تشرذمنا.


أما على صعيد الشعب فلابد من ثورة أخلاقية وصيرورة وجودية: أين اليمن التي يدافع ويدعي حبه الجميع؟ أين الوطن الذي يعيش فيه الناس بكرامة وحرية؟ ماهو الوطن بالنسبة لكم جميعا؟ هذه الأسئلة التي تحرك الروح اليمنية والروح الإنسانية التي يجب أن تُستعاد كعنصر موحدلا كأداةٍ إقصائية..

ومن بين أشكال الخدع السياسي التي كان يجب أن تُعيد للإنسان اليمني تماسكه مع ذاته، وحمايته وحفظ حقوقه يبرز الساسة أفعالهم التي فعلت ما لا يفعله الوطني لابناء وطنه أنهم يفعلون كل ذلك لصالح الشعب..

أرى كصيغة جوهرية تُعيد بناء الإنسان بوصفه خلقًا وقيمةومبدعا لا مجرد تابع،. أن الثقافة، الشعر، الفن، واللقاءات الإنسانية هي سلاحنا في مواجهة هذه التجزئة.


فلنضع خطة مبدئية للثورة التي أراها ضرورية: أولاً، إلغاء أو إعادة تشكيل أي مؤسسة رسمية تُغذي الانقسام—بدءا بمجلس يعكس تناقضات لا مصلحة وطنية له؛

ثانياً، بناء جبهة وطنية واسعة تتجاوز الانتماءات الحزبية والمناطقية والشخصية تُعنى بالسلام والعدالة والمؤسسات؛

ثالثاً، العودة إلى المجتمع المدني والثقافة والشعر كمحركات لوعي جديد ولكون هذا المبدأ سلاحا يفوق أي سلاح.

رابعا، التنسيق بين القوى المدنية والعسكرية المحلية لصياغة نظام إدارة مجتمعية لا مركزة السلطة فيه حتى لا نكرر ما هو أصل المشكلة الحالية.


وأختم بقولٍ لا أصل فيه من البلاغة ما يكفي، لكنه صريح: ما أخبرتك هنا—وهو ما أخبرتُك به في هذه الكلمات—يجب أن يكون جزءًا من الفكرة التي تُنقذنا: الثورة على مجلس يكرس الانقسام ليست ضد الوطن، بل من أجل الوطن.

وأن نؤمن بأن الكائن الإنساني، حين يعطى مساحة ليتخلق ويبدع، سيقود البلد إلى كون واحديحترم الاختلافات ويعطي لكل منطقة هويتها، وحقوقها، بلا عزلة قاتلة ولا سلطة تحكم باسم الوحدة الوطنية وتُفرقنا في الواقع.

وحدها هذه الثورة—ثورة إنسانية، جمالية، وإبداعية—قادرة على حمل اليمن من هاوية التمزق إلى أرض تُبنى فيها دولة إنسانية تليق بنا وبلادنا وبتاريخنا وثقافتنا ومصيرنا المشترك.