آخر تحديث :الإثنين-19 يناير 2026-03:32م

بين القوة والدهاء السياسي: طارق صالح وإعادة رسم المشهد

الثلاثاء - 09 ديسمبر 2025 - الساعة 05:40 م
محمد أحمد العولقي

بقلم: محمد أحمد العولقي
- ارشيف الكاتب


بقلم: محمد أحمد العولقي


في اليمن، حيث تتشابك خطوط القوة العسكرية مع الحسابات السياسية الدقيقة، يظهر طارق صالح كلاعب يحاول المزج بين الانضباط الميداني والحضور السياسي المتوازن، بما يمنحه قدرة على المناورة في فضاء سياسي متقلب مليء بالمفاجآت والتحولات المستمرة. المقاومة الوطنية التي يقودها تشكل قاعدة صلبة لحضوره، لكنها وحدها لا تكفي لتحويل القوة العسكرية إلى نفوذ سياسي مستدام أو إلى رافعة لصنع السياسات المستقبلية. فالسياسة اليمنية اليوم تتطلب رؤية أشمل وقدرة على قراءة التحالفات القديمة وإدارتها بحكمة بعيداً عن الصدام المباشر أو الخطوات التي قد تضعف المصداقية السياسية أو تستنزف الموارد.




انضباط المقاومة الوطنية ومنهجيتها في العمل يمنحان طارق صالح هامش حركة غير متاح لمعظم الأطراف الأخرى، ويتيحان له القدرة على التنقل بين القوى المختلفة دون الانجرار إلى معارك جانبية مستهلكة أو صراعات تكسر التوازن السياسي. هذا التوازن بين القوة والمرونة السياسية يجعل حضوره مؤثراً، ويضعه في موقع يسمح له بالتأثير على أي ترتيبات مستقبلية مع قراءة دقيقة لكل خطوة قبل اتخاذها. كما يمنحه القدرة على صياغة خطاب سياسي موحد يعكس القوة العسكرية دون الانجرار وراء لغة الاستعراض أو الصدام.




ورغم التحولات السياسية والميدانية التي شهدتها الساحة اليمنية، هناك أطراف لم تفقد وزنها الاجتماعي والسياسي، مثل أحزاب التحالف الوطني، والشخصيات والأحزاب القبلية، والشمالية، والجنوبية، التي تظل تشكل مساحة حيوية يمكن البناء عليها ضمن مشروع سياسي أوسع. هذه الأطراف، رغم تباين مصالحها الحالية، تمثل ثروة سياسية يمكن أن تضيف بعداً استراتيجياً لأي مشروع يسعى لتحقيق التوازن في المشهد اليمني. الفرصة أمام طارق صالح تكمن في استثمار هذه المساحة بحذر ودبلوماسية، بما يضمن أن تصبح شريكة في مشروع مستقبلي متكامل، دون أن تتحول إلى ساحة صراع جديد يشتت الانتباه ويستنزف الموارد، ويضمن في الوقت ذاته تثبيت موقعه السياسي بشكل تدريجي ومستدام.




النجاح في السياسة اليمنية اليوم لا يقوم على القوة الميدانية وحدها، بل على القدرة على جمع الخيوط المتفرقة بهدوء ودون ضجيج وخلق مساحة مشتركة لكل الأطراف التي كانت جزءاً من التحالف القديم، بحيث ترى نفسها شريكاً في مشروع أكبر دون أن تفقد استقلاليتها. قراءة هذه الديناميكيات بوعي تجعل أي تحرك أكثر فعالية وتأثيراً في معادلة القوى على الأرض. فالسياسة ليست مجرد امتلاك أدوات القوة، بل هي معرفة متى وكيف وأين تُستخدم، وإدراك ما يمكن أن يكون له أثر طويل المدى على المشهد الوطني.




تمثل المقاومة الوطنية محور القوة التي تمنح طارق صالح القدرة على التوازن بين الفعل العسكري والحضور السياسي، لكنها أيضاً اختبار لقدرته على تحويل القوة إلى أدوات سياسية قابلة للتطبيق في المشهد المدني وليس فقط على الأرض. فنجاح أي مشروع سياسي يعتمد على قدرة القيادات على خلق خطاب جامع يجمع بين الأجندة العسكرية والأهداف السياسية دون أن يتحول إلى استعراض قوة يثير خصومات جانبية أو يعزل الشركاء المحتملين.




يمثل طارق صالح نموذجاً لاعٍ يجمع بين القوة العسكرية والانضباط السياسي، لكن المرحلة المقبلة تكمن في قدرته على إدارة التحالفات القديمة، مثل أحزاب التحالف الوطني، والشخصيات والأحزاب القبلية، والشمالية، والجنوبية، بشكل يضمن مشاركة فعالة دون صدام ويحوّلها إلى عنصر استقرار ضمن المشروع الأكبر للمشهد اليمني. ويبرز التحدي الأكبر في تقديم نفسه كطرف قادر على قراءة اللحظة وخلق الأرضية المشتركة بطريقة مدروسة وصامتة، مع معرفة متى يتحرك ومتى ينتظر، ومتى يستخدم قوته العسكرية لدعم موقف سياسي لا لفرضه.




السياسة اليمنية اليوم ليست لعبة الانتصارات الميدانية فقط، بل لعبة المدى الطويل، حيث يصنع النجاح من خلال القدرة على فهم القوى والتحالفات، وتوظيف كل عنصر في مكانه المناسب، وبناء شبكة من الشراكات الدقيقة التي تحافظ على التوازن وتمنح الفاعل السياسي القدرة على النفوذ المستدام. وفي هذا السياق، تبدو الفرصة أمام طارق صالح كبيرة، لكنها مرتبطة بمدى قدرته على استثمار التحالفات القديمة والحفاظ على مرونته السياسية لتشكيل مشروع متماسك قادر على مواجهة التحديات المقبلة.