آخر تحديث :الإثنين-19 يناير 2026-03:32م

اليمن بين الفساد والدولة الغائبة: المواطن يدفع الثمن

الثلاثاء - 16 ديسمبر 2025 - الساعة 01:59 م
محمد أحمد العولقي

بقلم: محمد أحمد العولقي
- ارشيف الكاتب


بقلم: محمد أحمد العولقي


في اليمن، لا يحتاج المواطن إلى نشرة أخبار ليعرف أن الدولة غائبة؛ يكفيه أن يزور السوق، أو يبحث عن وظيفة، أو يحاول دفع إيجار منزله. هناك، حيث ترتفع الأسعار بلا سبب واضح وتختفي فرص العمل بلا تفسير، يكتشف اليمني أن الفساد ليس مشكلة طارئة، بل جزء من المشهد اليومي وربما أكثر عناصره استقرارًا.




الدولة، على الورق، موجودة. لها اسم وعلم وخطابات مطوّلة عن “خدمة المواطن”. أما على أرض الواقع، فهي تظهر فقط عند الجباية وتختفي عند الرقابة، وتغيب تمامًا حين يتعلق الأمر بحماية الناس من الجوع أو الفقر. وهكذا أصبح المواطن ممولًا دائمًا لسلطة لا تقدم له سوى الوعود.




أما الوظيفة العامة، فقد تحوّلت من حق قانوني إلى مسابقة غير معلنة، لا تُقاس فيها الشهادات ولا الخبرات، بل مستوى القرب من مراكز النفوذ. الكفاءة هنا تُعدّ عيبًا، والاستقلالية مخاطرة، بينما تُكافأ الطاعة والولاء بمنصب أو راتب قد يأتي وقد لا يأتي. وفي ظل هذا الواقع، لا تبدو البطالة فشلًا اقتصاديًا بقدر ما هي نتيجة منطقية لسياسة إقصاء ممنهجة.




ولأن البطالة وحدها لا تكفي لإثقال كاهل الناس، جاء ارتفاع الأسعار ليكمل المشهد. فالأسواق تُدار بلا رقابة، والاحتكار يُمارس في وضح النهار، والعملة تُترك للمضاربة، وكأن استقرار المعيشة شأن ثانوي. تُفرض الجبايات على التجار، ثم يُطلب من المواطن تفهّم ارتفاع الأسعار، وكأن التضحية واجب وطني لا يشمل المتنفذين.




الفساد في اليمن لا يكتفي بشكل واحد؛ فهو متعدد الأوجه. تراه في الإدارة، وفي الاقتصاد، وفي الخدمات، وحتى في المساعدات الإنسانية التي يفترض أن تخفف المعاناة فإذا بها تتحول إلى مورد إضافي لشبكات المصالح. وكل ذلك يجري تحت شعار “الظروف الاستثنائية”، وكأن هذه الظروف لم تعد استثناءً بل قاعدة دائمة.




وفي ظل غياب الدولة، ينجح الفاسدون حيث فشلت المؤسسات. فالقانون مرن عند الحاجة، والرقابة انتقائية، والمساءلة مؤجلة إلى أجل غير مسمّى. أما المواطن، فيُطلب منه الصبر، ثم مزيد من الصبر، ثم الصمت، وكأن الصبر أصبح البديل الرسمي عن السياسات العامة.




المفارقة أن الجميع يتحدث عن الدولة، لكن أحدًا لا يتصرف كدولة. فالسلطة تُمارَس بلا مسؤولية، والموارد تُدار بلا شفافية، والمعاناة تُعامل كأمر واقع لا كأزمة تستدعي الحل. وهكذا تتحول الحياة اليومية إلى اختبار قاسٍ لقدرة الناس على التكيّف، لا لحقهم في العيش الكريم.




في النهاية، يبدو أن المواطن اليمني أصبح بارعًا في فن الصبر على الفساد، وخبيرًا في فن التكيّف مع دولة غائبة تحضر فقط لتفرض الأسعار والجبايات. وإذا استمر الحال على ما هو عليه، فربما سيحتاج المستقبل إلى دليل للبقاء على قيد الحياة في بلد تُدار فيه الموارد والوظائف والآمال كما لو كانت مزحة سياسية طويلة الأمد. وعليه، يبقى السؤال الملح: متى ستصبح الدولة فعلاً حاضرة، بدلاً من أن تكون مجرد شخصية وهمية في مسرحية الفساد اليومية؟