آخر تحديث :الثلاثاء-31 مارس 2026-11:26م

البلاد على كفّ عفريت… والعفريت مصروع

الأربعاء - 17 ديسمبر 2025 - الساعة 12:44 م
صلاح البندق

بقلم: صلاح البندق
- ارشيف الكاتب


كأن الجنوب يعيش في مسرح عبثي لا يُغلق ستاره أبداً؛ البلاد على كفّ عفريت، لكن العفريت نفسه متكئٌ على ظهور الناس، يثقلهم لا لينقذهم، بل ليمتصّ ما تبقى من صبرهم وحياتهم.


ضجيج إعلامي يصمّ الآذان: حرب وشيكة… مناوشات قادمة… معارك على الأبواب… تحشيد… استنفار… تهديد… تصريحات لا تنتهي.

لكن خلف كل هذه الجلبة، يقف شعبٌ يتلمّس الطريق في ظلام دامس، لا يسمع سوى صرير معدته، ولا يرى سوى وجوه أطفاله وقد التصق الجوع بملامحهم. شعبٌ بلا رواتب، بلا خدمات، بلا كهرباء، بلا أمان… وكأن قدره أن يُعاقَب لأنه صامد، ويُهمَّش لأنه وفيّ.


المشهد مُرّ حدّ السخرية السوداء:

منابر الحرب تعلو، وأصوات المعارك تُنسَج كحكايات بطولة، بينما المواطن يبحث في برميل قمامة عن لقمة قد تشبه الطعام أكثر مما تشبه الحياة.

أي مفارقة هذه؟

قادةُ الحروب فرحون، منتشون، كأن الخراب عيدٌ، وكأن الجوع انتصار، وكأن انهيار الناس دليل نجاح مشاريعهم السياسية.


في الجنوب اليوم، الفقر لم يعد حالة اقتصادية؛ أصبح جرحاً أخلاقياً مفتوحاً. والظلام لم يعد نتيجة انقطاع الكهرباء؛ صار عنوان مرحلة. والترويج للحرب لم يعد دفاعاً عن الوطن؛ بل غطاءً لنهب جديد، ولتجويع جديد، ولصفقات تُبرم فوق جماجم تتضور جوعاً تحت الشمس.


المواطن لم يعد يطلب الكثير…

لا يسأل عن الوعود الكبرى، ولا المشاريع العملاقة، ولا الأحلام الوردية.

كل ما يريده راتبٌ كراتب البشر، كهرباء ككهرباء العالم، وخدمات لا تُعدّ رفاهية في أي بلد سوى هنا.


لكن حين يتحول الوطن إلى ساحة صخب، والسلطة إلى تاجٍ مصنوع من الكلام، والناس إلى آخر بند في القائمة؛ تصبح البلاد بالفعل على كفّ عفريت… والعفريت ليس إلا صُنّاع هذا الخراب.


ويبقى السؤال الذي يُخجل القول:

إلى متى سيظل الشعب الوحيد الذي يخوض حرباً على جبهتين؛ جبهة العدو… وجبهة الذين يدّعون حمايته؟