ذهبتُ إلى الصرافة لاستلام المرتب، ووقفت في طابور طويل، أحمل معي تعب الأيام وثقل الانتظار، وفوجئتُ بمفارقات عجيبة لا تخطئها العين ولا يقبلها العقل. شباب صغار السن لم يتجاوزا السابعة عشرة يقفون في الطابور ويسألون عن رواتبهم مع قصات شعر غريبة، وحين سألتهم: أي رواتب هذه؟ قالوا بثقة باردة: نحن عساكر. وعلى مقربة منهم، وجوه أكل الدهر عليها وشرب، رجال ونساء يتكئون على ذويهم وأقاربهم، ونساء بلغن من الكبر عتياً وانحنت ظهورهن، من موظفي التربية والتعليم والمرافق المدنية الأخرى، ممن أفنوا أعمارهم في خدمة الوطن وبناء الإنسان.
العجيب ليس هنا، بل العجب والعُجاب أن هؤلاء الشباب استلموا أضعافاً مضاعفة مما استلمه أولئك الموظفون الشيب، أصحاب الرسالة والعطاء الطويل. وقفتُ أتأمل المشهد، وأحاول أن أفهم كيف يُكافأ من زرع الوعي وعلّم الأجيال بالفتات، ويُغدق المال على من لم يشتد عوده بعد. قلت في قرارة نفسي، بحزن يمتد كجرح صامت: لن يستقيم الظل والعود أعوج. وحين يختل الميزان، لا يكون الظلم رقماً في كشف راتب، بل صفعة على وجه العدالة، وخاتمةً موجعة لحكاية وطن جريح.