آخر تحديث :الإثنين-19 يناير 2026-03:32م

زلزال الشرق اليمني: الجنوب يكتب مسودة "الواقع الجديد" بمداد النفط والسيادة

الثلاثاء - 23 ديسمبر 2025 - الساعة 10:28 ص
محمد أحمد العولقي

بقلم: محمد أحمد العولقي
- ارشيف الكاتب


بقلم: محمد أحمد العولقي


في لحظاتِ التحولِ الكبرى، لا تُقاسُ الأحداثُ بحدّةِ الصراعِ الظاهرِ فحسب، بل بعمقِ التصدعاتِ التي تُحدثها في بنيةِ الدولةِ ومعادلاتِ القوةِ القائمة. واليمنُ، الذي ظلَّ لسنواتٍ يُختزلُ بوصفهِ أزمةً مفتوحةً على كلِّ الاحتمالات، دخلَ مع نهاياتِ عام 2025 مرحلةً مفصليةً لم تعد فيها الصيغُ التقليديةُ للصراعِ، ولا مفاهيمُ الشرعيةِ والوحدةِ، قادرةً على تفسيرِ ما يجري على الأرض. فما تشهدُه محافظتا حضرموت والمهرة ليس مجردَ تصعيدٍ عسكريٍ أو إعادةِ انتشارٍ لقوى متنافسة، بل هو زلزالٌ سياسيٌ واقتصاديٌ يعيدُ تعريفَ "الدولة اليمنية" ذاتها، وينقلُ مركزَ الثقلِ من ساحاتِ الخطابِ السياسيِ إلى منابعِ الثروة، ومن شرعيةِ البياناتِ إلى منطقِ السيطرةِ والسيادة.


ويخطئُ مَن يختزلُ المشهدَ اليمنيَّ الراهنَ بوصفهِ خلافاتٍ عابرة، فالحقيقةُ أنَّ بسطَ المجلسِ الانتقاليِ الجنوبيِ سيطرتَه على حقولِ النفطِ الاستراتيجيةِ في "المسيلة"، ومديرياتِ وادي حضرموت وصولاً إلى الحدودِ العُمانيةِ، لم يكن مجردَ مناورةٍ ميدانية، بل كان إعلاناً صريحاً عن "أفولِ" الصيغةِ الحاليةِ لمجلسِ القيادةِ الرئاسي، وقراراً استراتيجياً بالاستحواذِ على مفاصلِ الاقتصادِ الوطني.


إنَّ السيطرةَ على هذا "الخزانِ السيادي"، الذي يرفدُ البلادَ بنحو 80% من صادراتِها النفطية، وجّهت ضربةً قاصمةً للحكومةِ المعترفِ بها دولياً، إذ جرّدتها من آخرِ أوراقِ القوةِ التي تمنحُها القدرةَ على إدارةِ السياسةِ النقديةِ أو استقطابِ المساعدات. وقد انعكسَ ذلك فوراً على المشهدِ المعيشي، حيث شهدَ الريالُ اليمنيُّ انهياراً تاريخياً كسرَ فيه حاجزَ الـ 2,300 ريال مقابلَ الدولارِ الواحدِ في عدن، مخلّفاً موجةً من التضخمِ الجامحِ التي عصفت بالقدرةِ الشرائيةِ للمواطنين، وعمّقت حالةَ السخطِ الشعبيِ المتصاعد.


هذا التحولُ الدراماتيكيُ وضعَ المجتمعَ الدوليَّ في مأزقٍ حقيقي، فبينما تحاولُ القوى الكبرى، كالولاياتِ المتحدةِ وبريطانيا، التمسكِ بخطابِ "الوحدةِ والشرعية" التقليدي، تجدُ نفسَها اليومَ مضطرةً للتعاملِ مع واقعٍ ميدانيٍ يمتلكُ فيه الجنوبُ اليدَ الطولى في تأمينِ الممراتِ المائيةِ الدولية، ومكافحةِ الإرهاب، والتحكمِ بالمواردِ الحيوية.


وبريطانيا، بصفتِها "حاملةَ القلم" في الملفِ اليمني، تواجهُ ضغوطاً لمراجعةِ المرجعياتِ الدوليةِ لتتواءمَ مع معطياتِ 2025، لاسيما في ظلِّ الانقسامِ الماليِ الحادِ بين بنكٍ مركزيٍ في عدن يفتقرُ للموارد، وسلطةِ "أمرٍ واقع" في حضرموت تتحكمُ بشريانِ الحياةِ الاقتصادي.


إننا أمامَ مشهدٍ يسعى فيه الجنوبُ لفرضِ "استقلالٍ اقتصاديٍ" يمهّدُ للاعترافِ السياسي، مستفيداً من حالةِ الجمودِ العسكري في جبهاتِ الشمال، مما يجعلُ أيَّ تسويةٍ دوليةٍ قادمةٍ مرتهنةً بمدى قدرتها على تجاوزِ القوالبِ القديمة، والقبولِ بصيغةٍ تمنحُ الجنوبيين حقَّ إدارةِ ثرواتِهم، كخيارٍ وحيدٍ لضمانِ الاستقرارِ الإقليمي.


إنَّ ما يشهده اليمنُ اليومَ هو انتقالٌ صريحٌ من مرحلةِ النزاعِ على "تمثيل الشرعية" إلى مرحلةِ الصراعِ على "تعريف الدولة"، فالجنوبُ، عبرَ إحكامِ قبضتِه على مفاتيحِ الثروة، لم يعد يفاوضُ من موقعِ المطالبة، بل من موقعِ "الفارضِ للواقع" واضعاً المجتمعَ الدوليَّ أمام خيارين: إما الاعترافُ بالخارطةِ الجديدةِ كمدخلٍ للاستقرار، أو الإصرارُ على أوهامٍ سياسيةٍ لم تعد تمتلكُ مقوماتِ البقاء. فالدولُ لا تُدارُ بالشعارات، بل بالقدرةِ على حمايةِ المصالح، ومن يمتلكُ الثروةَ والممراتِ المائية والسيطرةَ الميدانية، يمتلكُ القدرةَ على رسمِ معادلاتِ المستقبل. وفي هذا المشهدِ المتسارع، يبدو أنَّ زلزالَ الشرقِ لم يكن هزةً عابرة، بل هو إيذانٌ بأنَّ زمنَ ما قبل 2025 قد ولّى، وأنَّ الجنوبَ بدأ فعلياً صياغةَ تاريخِه الجديد… بمدادِ النفط، وتحتَ ساريةِ السيادة.