آخر تحديث :الأحد-15 فبراير 2026-11:03ص

عندما نُزوّج الفقراء… ثم نتركهم للشارع

الثلاثاء - 06 يناير 2026 - الساعة 11:15 ص
احمد الدثني

بقلم: احمد الدثني
- ارشيف الكاتب


بقلم: أحمد الدثني


في صنعاء، وأثناء عملي، تعرّفت على امرأة أمريكية كانت تدير مصنعاً للفلاتر الفخارية، تُسوَّق منتجاته للمنظمات الدولية تحت لافتة “تنقية مياه الفقراء”. كان هناك تعاون بين المصنع والممول، لكن الفاتورة – كالمعتاد – تُدفع من جيوب المساكين، لا من نوايا المانحين.

ذات يوم، دعوتها إلى منزلي. وفي طريق عودتنا إلى مقر عملها، استوقفتنا لوحة إعلانية كبيرة تُعلن عن تزويج سبعين عريساً وعروساً بتمويل جماعي. شعرت بالفخر، وحاولت أن أشرح لها روح التكافل الاجتماعي في اليمن، وكيف يتعاون الناس لمساعدة الفقراء على “إتمام دينهم”.

استمعت بهدوء… ثم فاجأتني بسؤال قصير، بارد، لكنه عميق حدّ الصدمة: What’s after? وماذا بعد؟

قلت بثقة من تربّى على هذه الفكرة: الاستقرار… وتكوين أسرة… وإنجاب الأبناء.

سكتت قليلاً، ثم روت لي قصة غيّرت نظرتي إلى كثير من “الإنجازات الخيرية”.

قالت إنها عملت سابقاً في محافظة شبوة مع منظمة خيرية تُدعى “تاش”. خلال عملهم، قرروا مساعدة عامل خدمات من ذوي البشرة السوداء، كان يعمل معهم بعقد مؤقت. جمعوا له المال، زوجوه، واحتفلوا بما اعتبروه إنجازاً إنسانياً عظيماً.

بعد فترة، وأثناء سفرها من صنعاء مروراً بعقبة ثَرَة في أبين، توقفت في منطقة لودر. هناك، رأت امرأة تتسول على قارعة الطريق، وبجانبها طفل لا يتجاوز العامين. وجه المرأة بدا مألوفاً. اقتربت منها، وسألتها: أأنتِ زوجة فلان؟

أجابت: نعم. ثم قالت الجملة التي كسرت كل شيء: طلقني بعد أن انتهى عمله… وها أنا أتسول لأعيل طفلي.

تقول الأمريكية: بكيت كثيراً. أعطيتها كل ما في جيبي، لكني شعرت بشيء أثقل من الحزن… شعرت أننا شركاء في الخطيئة.

ثم التفتت إليّ وقالت: المشكلة أننا نزوّج الفقراء قبل أن نؤمّن لهم الحياة.

عندها فهمت معنى سؤالها الأول: وماذا بعد؟

في مجتمعاتنا، نحتفي كثيراً بمشاريع “تزويج الجماعي”، ونعدّها قمّة العمل الخيري، بينما نتجاهل السؤال الأخطر:

هل يملك هذا الزوج عملاً دائماً؟

هل تملك هذه الأسرة دخلاً مستقراً؟

هل نُنشئ بيتاً… أم نؤجّل الانهيار فقط؟

الزواج ليس صدقة مؤقتة، بل مسؤولية طويلة الأمد.

والفقر لا يُعالَج بحفل زفاف، بل بفرصة عمل، وبكرامة، وبأمان اقتصادي.

حين نُزوّج شاباً بلا مصدر رزق، فنحن لا “نستره”، بل نزرع أزمة جديدة:

امرأة مُهمَلة، طفل بلا حماية، وأسرة مرشحة للانكسار.

ربما آن الأوان أن نعيد ترتيب أولوياتنا الخيرية:

أن نُموّل المشاريع الصغيرة قبل حفلات الزفاف،

أن نخلق وظائف قبل أن نوزّع فساتين،

أن نؤمّن الخبز قبل أن نُعلن الفرح.

فالزواج بلا حياة كريمة… ليس عملاً خيرياً،

بل حسن نية يقود إلى مأساة مؤجلة.