في لحظات التحوّل الكبرى، لا يُقاس وعي الشعوب بكثرة الشعارات، بل بقدرتها على الاصطفاف الصحيح حين تتبدّل موازين القوة، وتتضح خطوط الصراع، وتسقط الأقنعة.
واليمن اليوم يقف عند واحدة من تلك اللحظات الفارقة، حيث لم يعد هناك متسع للتردد، ولا مكان للرمادية، ولا مبرر لاستمرار الانقسام داخل معسكر الشرعية.
لقد كشفت التطورات المتسارعة في المحافظات الجنوبية والشرقية المحررة، وما أعقب أحداث ديسمبر 2025، حقيقة لا تحتمل التأويل:
أن الدولة حين تقرر أن تكون دولة، فإن كل المشاريع الموازية تتهاوى، مهما امتلكت من سلاح أو دعم أو ضجيج إعلامي.
ما جرى في حضرموت والمهرة لم يكن مجرد مواجهة عسكرية، بل كان اختبارًا قاسيًا لكل الخطابات التي بُنيت على وهم السيطرة بالقوة، أو فرض الإرادة خارج مؤسسات الدولة. وقد جاءت النتائج واضحة:
فشل الإجراءات الأحادية، انكشاف حدود المليشيا أمام إرادة الدولة، التفاف المؤسسات المحلية والمجتمع حول الشرعية.
إعلان حالة الطوارئ، وانتشار قوات درع الوطن، والقوات المساندة، والدعم الإقليمي الواضح لقيادة مجلس القيادة الرئاسي، لم تكن خطوات منفصلة، بل تعبيرًا عن إعادة بناء مركز القرار داخل معسكر الشرعية، وتوحيد أدوات القوة تحت مظلة وطنية واحدة.
لقد أثبتت التجربة المريرة خلال عقد من الزمن أن تشظي القرار داخل الشرعية، وتعدد الجيوش، وتنازع الولاءات، لم يخدم سوى الانقلاب الحوثي، ومن يقف خلفه إقليميًا. أما اليوم، فإن الطريق بات أوضح من أي وقت مضى:
(( لا انتصار بلا وحدة الصف، ولا وحدة بلا دولة))
في زمن الصراعات الكبرى، لا تُدار المعارك بعواطف متناقضة ولا بتحالفات مزدوجة. واليمن، وهو يخوض معركته الوجودية ضد المشروع الحوثي – الإيراني، يحتاج إلى حليف إقليمي واضح وصادق، يتقاطع مع هدف استعادة الدولة، لا تفكيكها.
وقد أثبتت المملكة العربية السعودية، في هذه المرحلة الحساسة، أنها تقف مع استقرار اليمن ووحدته وشرعيته، وأن أي مسار خارج هذا الإطار هو عبث سياسي وأمني، لا يخدم إلا أعداء اليمن والمنطقة.
إن الدعوة إلى حوار جنوبي – جنوبي، برعاية مجلس القيادة الرئاسي، ليست التفافًا على القضية الجنوبية، بل إعادتها إلى مسارها الطبيعي: قضية سياسية عادلة تُحل بالحوار، لا بالبندقية، وضمن دولة، لا خارجها.
فالجنوب لا يحتاج إلى مليشيا جديدة، بل إلى دولة عادلة، ولا إلى علم موازٍ، بل إلى كرامة متساوية، ولا إلى سلطة أمر واقع، بل إلى شراكة وطنية حقيقية تحفظ الحقوق وتمنع تكرار الإقصاء و التهميش.
علم واحد… جيش واحد… وجهة واحدة
فالوجهة الوحيدة المنطقية، أخلاقيًا ووطنيًا، هي توجيه كل القوة – السياسية والعسكرية والإعلامية – نحو هزيمة الانقلاب الحوثي، لأنه ببقائه لا معنى لأي حديث عن شمال أو جنوب، ولا شرق ولا غرب، ولا عن دولة أو عدالة.
إن اللحمة الوطنية داخل صفوف الشرعية هي شرط البقاء. وكل خطاب يُضعفها، أو يشكك بها، أو يسعى لتقويضها، هو – عن قصد أو عن غفلة – خدمة مجانية للحوثي.
اليوم تتغير موازين القوى، وتتقاطع الإرادات، وتُفتح نافذة تاريخية قد لا تتكرر.
إما أن نعبرها موحَّدين تحت راية الدولة، أو نضيع مرة أخرى في متاهة المشاريع الصغيرة.
والتاريخ لا يرحم من يضيّع الفرص.
---
✍️ عبدالعزيز الحمزة
الثلاثاء ٦ يناير ٢٠٢٦م