آخر تحديث :الجمعة-23 يناير 2026-12:30م

حرب بشرف .. اليمن يقدم درساً أخلاقياً في زمن الانهيار

السبت - 10 يناير 2026 - الساعة 11:45 ص
منصور بلعيدي

بقلم: منصور بلعيدي
- ارشيف الكاتب


في زمنٍ تتكاثر فيه الحروب وتتناسل المآسي، حيث تُسحق القيم تحت أقدام المصالح، يطل اليمن من بين الركام ليقدم استثناءً أخلاقياً نادراً، حرباً لا تشبه الحروب، وصراعاً لا ينسف المروءة. إنها حرب بشرف، في مقابل حروب بلا شرف ولا ضمير.


ليست الحرب في اليمن مجرد تبادل لإطلاق النار أو سباقاً للسيطرة على الأرض، بل مواجهة رجال لرجال، وجنود لمعسكرات، لا مكان فيها للغدر ولا للطعنة في الظهر.

حين تتبدل السيطرة على المدن والقرى، لا تُهدم البيوت، ولا تُهان النساء، ولا تُشرد العائلات. مشهد نادر في عالمٍ اعتاد أن يرى في الحرب فوضى لا أخلاق لها.


في مشهد يلامس الوجدان، تسوق قبيلة من المهرة أسرى خصومها لا إلى الزنازين، بل إلى قبيلة مجاورة في حضرموت، قائلة: "هؤلاء خرجوا من وجوهنا إلى وجوهكم، أوصلوهم إلى أهليهم". لا قيد، لا إذلال، لا انتقام. بل حماية للأسرى حتى يعودوا إلى ديارهم، ووداعٌ تختلط فيه الدموع بالتحايا، والكرامة بالاباء.


في اليمن، لا تُقاس الهزيمة بالانكسار، بل تُقابل بهزيمة أخرى في وضح النهار، لا بخيانة في الظلام. وإذا كان المتقاتلون يشتركون في هذا القدر من القيم، فإن الحرب ليست قدراً محتوماً، بل خطأ يمكن التراجع عنه. والتراجع هنا ليس ضعفاً، بل شرف. والسلام ليس استسلاماً، بل بطولة. والتنازل المتبادل ليس خسارة، بل نصر أعلى من كل انتصار.


*تجاوزات لا تُلغي الصورة الكبرى*

نعم، هناك تجاوزات، كما في كل صراع. لكن ما يميز الحرب اليمنية هو أن هذه الانتهاكات ليست القاعدة، بل الاستثناء. وغالبها، نتيجة لتدخلات خارجية أفسدت فطرة البعض.

ومع ذلك، تبقى الصورة الكبرى ناصعة، مقارنة بحروب أخرى لا تعرف للرحمة سبيلاً ولا للكرامة معنى.


في خضم الدماء، تتذكر القبائل اليمنية القربى، وتفيض الدموع كما فاضت الدماء. إنها حرب تُدار بعقلية الفرسان، لا بعقلية الجلادين. حربٌ تُذكّر العالم أن في قلب المأساة يمكن أن يولد النبل، وأن في زمن الانهيار يمكن أن تشرق شمس القيم.


في اليمن، لا تزال الحرب تحتفظ بشيء من إنسانيتها. فهل يكون هذا النبل هو المفتاح نحو سلامٍ دائم؟

وهل يتعلم العالم من هذا الاستثناء الأخلاقي، قبل أن تغرق الحروب الأخرى في مزيد من الوحشية.؟