آخر تحديث :الأحد-11 يناير 2026-12:03م

الجنوب اليمني ومسار الاستقرار

السبت - 10 يناير 2026 - الساعة 10:24 م
محمد الحكيمي

بقلم: محمد الحكيمي
- ارشيف الكاتب


يشهد الجنوب اليمني في هذه المرحلة لحظة مفصلية تتقاطع فيها التحديات الوطنية الكبرى مع مطالب شعبية متراكمة في ظل استمرار حالة الانقسام السياسي والتهديد الوجودي الذي يمثله المشروع الحوثي الانقلابي في هذا السياق يظل أي تعبير شعبي سلمي مثل مشاهد الحشود التي خرجت في ساحة العروض ممارسة مشروعة من حيث المبدأ ما دام ضمن إطاره السلمي ولم تصاحبه أي إجراءات أو تحركات عسكرية تقوض الدولة أو تهدد السلم المجتمعي ولا يمكن الاعتراض على حق الناس في التعبير عن آرائهم ومطالبهم بوسائل قانونية وسلمية وتبرز هنا الحاجة الملحة لتحويل هذه الطاقات الشعبية إلى مسار بناء يضمن الحقوق ويعزز التوافق الوطني بعيداً عن أي مسلك قد يضعف الدولة أو يهدد السلم المجتمعي .


غير أن القراءة العميقة لمثل هذه المشاهد تفرض الانتقال من توصيف الحدث إلى مناقشة مضمونه السياسي وسياقه الوطني ، فالقضية الجنوبية ليست قضية فصيل أو مكون أو حشد بعينه وإنما هي قضية عامة تمس ملايين من أبناء الجنوب باختلاف توجهاتهم السياسية ورؤاهم حول شكل الدولة ومستقبلها وهناك في الجنوب من يتمسك بخيار الوحدة وفيه من يطرح خيارات أخرى ، غير أن القاسم المشترك بين الجميع يتمثل في الإقرار بوجود مظلومية تاريخية وبحاجة هذه القضية إلى معالجات عادلة وجدية تضمن الحقوق وتصون الكرامة وتؤسس لاستقرار مستدام .


اختزال القضية الجنوبية في طرف واحد أو الادعاء بامتلاك تمثيلها الحصري لا يخدم جوهرها ويحوّلها من قضية جامعة إلى ملف صراع داخلي مثل هذا المسار لا يؤدي إلى حلول وإنما يفتح الباب أمام مزيد من الانقسام ويضعف القدرة على انتزاع أي مكاسب حقيقية على طاولة السياسة والتجربة أثبتت أن القضايا الكبرى لا تُحل بالحشود وحدها ولا بالخطاب التصعيدي وإنما بالحوار وتوحيد المطالب وصياغة رؤية مشتركة تعكس مصالح أبناء الجنوب بمختلف انتماءاتهم .


من هذا المنطلق تبرز أهمية الدعوة السعودية إلى حوار جنوبي -جنوبي بوصفها فرصة لإعادة ترتيب البيت الجنوبي والانتقال من حالة التنازع إلى حالة التوافق وهذا الحوار إن كُتب له النجاح يمكن أن يشكل إطاراً سياسياً جامعاً يعالج جوهر القضية الجنوبية بعدالة ومسؤولية ويقدّم رؤية واضحة يمكن البناء عليها ضمن أي تسوية وطنية شاملة فالأنظار ينبغي أن تتجه إلى مخرجات هذا الحوار ونتائجه لا إلى مناكفات جانبية تستنزف الجهد وتبدد الفرص .


المرحلة الراهنة لا تحتمل مزيداً من التأجيج أو الاستثمار في الانقسام أو الخطاب التصعيدي مهما كانت دوافعه يضر بالقضية الجنوبية أكثر مما يخدمها ويمنح خصوم الدولة فرصة لاستغلال التناقضات الداخلية وما يحتاجه الجنوب اليوم هو توحيد الجهود وتأجيل الخلافات البينية والعمل على بلورة موقف سياسي ناضج يعكس حجم القضية وعمقها ويضعها في سياقها الوطني الصحيح .


وفي ظل التحديات الوجودية التي تواجه اليمن يتقدم خطر المشروع الحوثي الانقلابي بوصفه التهديد الأكبر للدولة ولجميع القضايا العادلة شمالاً وجنوباً ، هذا المشروع لا يستهدف طرفاً دون آخر وإنما يستهدف فكرة الدولة نفسها ويغلق أي أفق لحلول سياسية عادلة ، من هنا يصبح التخندق تحت راية الشرعية بوصفها الإطار السياسي المعترف به ضرورة مرحلية تفرضها متطلبات الخلاص الوطني .


القضية الجنوبية لن تجد طريقها إلى الحل في ظل دولة منهارة ولن تتحقق مطالبها في بيئة يسودها السلاح والفوضى وطريق الحل يمر عبر الحوار وتوحيد الصف واستعادة الدولة ثم الذهاب إلى معالجات سياسية عادلة تضمن حقوق الجميع أما الرهان على التصعيد والانقسام فهو رهان خاسر يعيد إنتاج الأزمات ولا يفتح باباً للحلول .


في هذه اللحظة الحساسة تقع المسؤولية على عاتق النخب السياسية والقيادات الاجتماعية في الجنوب قبل غيرهم لصياغة خطاب جامع وضبط الإيقاع الشعبي وتوجيه الطاقات نحو مسار يخدم القضية ولا يستنزفها فالقضايا العادلة لا تنتصر بالصوت العالي وإنما بالحكمة وبالقدرة على قراءة اللحظة وباختيار الطريق الذي يقود إلى المستقبل لا إلى إعادة تدوير الصراع .