كل من يحاول إعادة عقارب الزمن إلى الوراء، إلى عصور الظلم والتهميش والإقصاء والقتل والسحل، نذكّره بسؤال لا يهرب منه التاريخ :
أين ذهبت الدول الظالمة؟
أين اختفى الحكّام المتجبّرون؟
أين القتلة واللصوص الذين ظنّوا أن الدم يُؤسِّس دولة، وأن القهر يصنع وطناً ؟
لقد مضوا جميعاً، وبقيت لعناتهم شاهدة عليهم، وبقيت قبورهم دروساً مفتوحة للأحياء.
فالتاريخ لا يرحم، والذاكرة الإنسانية لا تنسى، والعدل وحده هو الذي يترك أثراً طيباً بعد الرحيل.
قيل قديماً، وما زال القول حياً :
«دولة الظلم ساعة، ودولة العدل إلى قيام الساعة».
فالظلم، مهما تجبّر، كيان هشّ، يعيش على الخوف، ويموت عند أول صحوة وعي.
أما العدل، فهو الأساس المتين، تبنى عليه الأوطان، وتستقيم به المجتمعات، وتُصان به الكرامة الإنسانية.
نعم، نقولها بوضوح لا لبس فيه :
لا للظلم، لا للإقصاء، لا للتهميش، لا للمناطقية، لا للعنصرية، لا لكل فكرٍ يُقسّم الناس ويزرع الكراهية ويصنع الامتيازات على حساب الدم والحقوق.
فالتمييز بداية الانهيار، والسكوت عن الظلم شراكة فيه.
نحن لا نبحث عن دولة انتقام، ولا عن سلطة تُبدّل ظالماً بظالم، بل نريد دولة العدل والمساواة، دولة القانون والنظام، حيث يُطبّق القانون على الجميع دون استثناء:
على الحاكم قبل المحكوم،
وعلى الغني قبل الفقير،
وعلى الكبير قبل الصغير.
دولة لا يُسأل فيها المواطن : من أنت؟ ومن أين أنت؟
بل يُسأل : ماذا قدّمت؟ وما حقّك؟ وما واجبك؟
إن العدل ليس شعاراً يُرفع، بل ممارسة تُحفظ، ومبدأ لا يقبل المساومة.
ومن يظن أن الظلم يدوم، فليقرأ التاريخ جيداً…
فكل طاغية ظنّ نفسه خالداً، سبقه قبرٌ ينتظره، وكل حقٍ ظُنّ أنه مات، عاد أقوى مما كان.
والخلاصة التي لا جدال فيها :
العدل هو الطريق الوحيد لبقاء الدول، والظلم هو أسرع الطرق إلى الزوال.