آخر تحديث :الإثنين-19 يناير 2026-03:32م

مطارق “الستاتيكو” الدولي وسندان العجز البيني: أين يقع الجنوب في صراع الأقطاب؟

الإثنين - 12 يناير 2026 - الساعة 11:16 ص
محمد أحمد العولقي

بقلم: محمد أحمد العولقي
- ارشيف الكاتب


بقلم: محمد أحمد العولقي


يُفسَّر التضارب المتعاكس في الأجندات الدولية، إلى حدٍّ ما، حال الفوضى التي تدبّ في أوصال المنطقة العربية، وصولًا إلى سياسات أوروبا التي تسعى لكسر “الرؤوس الحامية” لروسيا؛ لتأمين أمنها القومي وقلقها من طموحات موسكو التي تقضّ مضاجعها. لكن واشنطن، التي لا تخشى روسيا بالقدر ذاته، لا ترغب في الوقت نفسه برؤية أوروبا قوية وآمرة؛ لذا توازن خيوط اللعبة في أوكرانيا لتُبقي روسيا في حالة ضعف “نسبي”، وأوروبا في حالة “تبعية” مستمرة، مما يجعل حتى حلف شمال الأطلسي ورقةً للمناورة لا تهمها كثيرًا بعد غضبها من قيام الاتحاد الأوروبي. وفي هذه الحقبة، تتركز الأولويات الأميركية على إنهاء استنزاف أوكرانيا وغزة، للانصراف نحو الملفات الكبرى في المحيط الهادئ (الصين وتايوان)، والكاريبي، وجوار أفغانستان، وصولًا إلى القرن الأفريقي المتفجّر. هذه العواصف الهائجة والمائجة تزرع “الأوتاد” في دروب القضية الجنوبية، وتعمل على إعاقتها عن التقدّم نحو ختام مسيرة التحرّر الوطني واستعادة الدولة، عبر مقايضة حقوق الشعوب بمصالح الممرات المائية.




ولا يقف الخطر عند التدويل، بل يمتد إلى حالة “العجز المروّع” والمهين التي غمرت الكيانات العربية منذ مطلع الألفية. وإذا كانت الحركات الوطنية الجنوبية قد صعدت في ظروف تاريخية معيّنة كبديل ثوري من الهزيمة، فإنها اليوم تواجه عجزًا شاملًا: عجزًا عن إنتاج بديل سياسي تاريخي فاعل، وعجزًا عن فكّ “الأصفاد الثقيلة” التي تقيّد النضال الميداني وتُخضعه للتوازنات الخارجية. هذا الشلل البنيوي جعل القوى السياسية عاجزة عن نجدة الداخل الجنوبي في عدن وحضرموت ولحج وبقية المحافظات نجدةً ملائمة، وعاجزة حتى عن تأمين أبسط مقومات العيش الكريم لشعبها. إن الهيئات السياسية الجنوبية، الواقعة تحت مطارق التجاذبات الدولية ومصائب السكونية السياسية، تبدو غير قادرة على القيام بالمهمات التاريخية، وهو واقع يخدم نتيجةً واحدة يتمناها الخصوم بقوة: تصفية الوطنية الجنوبية، ودفن فكرة التحرّر تحت رماد الصراعات الجانبية، ومنع تأسيس كيان جنوبي طبيعي ومستقل، حتى بات احتمال الدولة الحرة يقارب الاستحالة في ظل السعي لفرض “قوة استقرار دولية” ليست في جوهرها إلا أداةً استعمارية لتثبيت نفوذ القوى المهيمنة.




تفتقر الدول الكبرى اليوم إلى استراتيجيات طويلة الأمد، وتكتفي باختبارات سياسية متناقضة تجعل من الجنوبيين وقودًا لمشاريعها. ومع وقوعنا في جحيم هذه الاختبارات، بات الخارج هو من يصوغ مستقبلنا، بينما ينساق البعض خلف وعود وقف الحرب التي تمهّد الطريق لأشراك “الستاتيكو” الجديد. إن تثبيت هذا الوضع يعني طيّ حقبة جنوبية كاملة، وجرف مشروع الدولة نهائيًا. ولم يعد ينفع الكلام المكرّر عن “الصبر الاستراتيجي” أو “تلقي الضربات”؛ فهي عبارات تملّصية تندرج في سياق معاندة الواقع ولا قيمة لها. وما نخشاه، بجزع شديد، أن يصبح الخصوم هم ولاة المنطقة، ويتحوّل الخارج إلى الخليفة الجديد لقرارنا السيادي. إن تصوير الفواجع والخسارات كأنها انتصارات هو تكتيك دعائي عابر لا يصمد أمام حقائق التاريخ؛ فالفرعنة الدولية والعلو المؤقت لمشاريع الهيمنة في أرضنا لن يدوم، لكن النهوض يتطلب انتفاضةً شعبيةً شجاعةً ومستدامة تزن الفعل بميزان الذهب، وتترفع عن الغوغائية، لمواجهة عواصف القادم برؤية وطنية صلبة لا تقبل القسمة على الأجندات العابرة.