آخر تحديث :الثلاثاء-13 يناير 2026-08:17م

الإسراء والمعراج.. دلالة الاحتفال، لا قدسية التاريخ

الثلاثاء - 13 يناير 2026 - الساعة 12:32 م
عبدالله سالم النهدي

بقلم: عبدالله سالم النهدي
- ارشيف الكاتب


أيام قلائل وتحل علينا ذكرى الإسراء والمعراج وهي من المناسبات التي تحظى بمكانة وجدانية خاصة في قلوب المسلمين، لما تحمله من معان إيمانية عميقة ودلالات روحية متجددة. ففيها يستعيد المسلمون حدثاعظيما من أحداث السيرة النبوية، ارتبط بمعجزة إلهية أكرم الله بها نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، فكانت مهمة وفاصلة مسيرة الدعوة الإسلامية.

حين تحل هذه الذكرى كل عام على المسلمين في مختلف أنحاء العالم الإسلامي تشد الهمم وتتبارى النفوس للاحتفال بها بطرق شتى، تختلف باختلاف الثقافات والعادات، لكنها تلتقي جميعا في التعبير عن الفرح والابتهاج بهذه المعجزة العظيمة. فمنهم من يحييها بالذكر والدعاء، ومنهم من يعقد المجالس الدينية، أو يستحضر معانيها في الخطب والدروس، وكل ذلك يعكس فرحتهم بمعراج الرسول الكريم، وباستلهامهم لما يحمله الحدث من دلالات سامية تعزز الإيمان وتبعث الطمأنينة في النفوس.

ولا تكمن أهمية الاحتفال بذكرى الإسراء والمعراج في مجرد استذكار حدث تاريخي، بل في الدلالة العميقة التي يحملها هذا الحدث. فقد كانت الإسراء والمعراج معجزة إلهية ألجمت خصوم النبي صلى الله عليه وسلم ومناوئيه، وأثبتت صدقه ومصداقيته، رغم محاولات الكفار الجاحدة إنكارها مع إدراكهم لصدقه، وعلمهم في قرارة أنفسهم بحقيقة ما جاء به. جاءت هذه المعجزة في وقت اشتد فيه الأذى على الرسول الكريم، فكانت تثبيتا له، ودعما للدعوة، ورسالة واضحة بأن هذا الدين مؤيد بعناية إلهية لا تنقطع.


وفي هذه الليلة المباركة فرضت الصلاة، أول أركان الإسلام العملية، لتكون صلة مباشرة ودائمة بين العبد وربه، وعنوانا للإيمان الحي الذي يتجدد كل يوم، ولنا - كاتب هذه العجالة - أن نلحظ ملحظا لطيفا وعميقا في ذات الوقت وذات المقام. وهو أن رسولنا الكريم في رحلته إلى السماء - الوحيدة في حياته كلها - قد عاد لنا بفرض الصلاة في اليوم - في خمسة أوقات - وهو الركن العملي الأول في الإسلام، و هذا الركن الوحيد الذي يرفع للسماء مرتين في اليوم - فضل من الله - في رحلة يومية أزلية للسماء. بينما الأركان الفعلية الأخرى أما سنوية أو مرة في العمر لمن استطاع إليها سبيلا.

والتقى حبيبنا وشفيعنا محمد صلوات الله وتسليمه عليه في رحلته هذه بإخوانه من الرسل والأنبياء عليهم صلوات الله وسلامه أجمعين، في مشهد يحمل دلالة واضحة على وحدة الرسالات السماوية، وامتداد جسور التواصل الأخوية بين البشر أجمعين، بعيدا عن التعصب والانغلاق، ومؤكدا أن جوهر الرسالات واحد، وإن اختلفت الأزمنة والأقوام.


ومما تذكر الإشارة إليه والتنبيه عليه هذا السياق؛ التمييز بين دلالة الاحتفال بالذكرى، وبين تقديس التاريخ في ذاته. فالإسلام لا يدعو إلى إضفاء قدسية على يوم بعينه لمجرد وقع الحدث فيه، سواء صح تاريخه تحديدا أم اختلف فيه بين المؤرخين. فالعبرة ليست في اليوم أو التاريخ، وإنما في المعنى والدلالة والعظة المستفادة من الحدث. ومن هنا، فإن الاحتفاء بهذه الذكرى لا يعني اتخاذها عيدا دينيا، وإنما هو ممارسة مشروعة للفرح والاستبشار بمعجزة عظيمة وقعت للرسول صلى الله عليه وسلم ، بكل ما تحمله من قيم إيمانية وإنسانية.

ولذا ستظل هذه الذكرى مناسبة لتجديد الإيمان، وتعميق الوعي برسالة الإسلام، وربط الحاضر بالماضي بروح متزنة، تدرك أن الأحداث العظيمة تخلد بمعانيها، لا بتقديس تواريخها. وهي دعوة مفتوحة للتأمل في معاني الصبر، والثبات، ووحدة الإنسانية، والارتقاء الروحي، التي جسدها هذا الحدث الخالد في السيرة النبوية.