آخر تحديث :الثلاثاء-13 يناير 2026-08:48م

اليمن والقرن الإفريقي في ميزان "لعبة الأمم" الجديدة

الثلاثاء - 13 يناير 2026 - الساعة 03:19 م
بدر باسلمة

بقلم: بدر باسلمة
- ارشيف الكاتب


لم يعد المشهد في اليمن مجرد نزاع داخلي على السلطة، بل بات واضحاً للمراقب الحصيف أنه حلقة مركزية ضمن مخطط "جيوسياسي" واسع النطاق، يهدف إلى إعادة هندسة الأمن في البحر الأحمر ومضيق باب المندب.


ما يجري اليوم هو إعادة رسم لخرائط النفوذ لا الحدود، ضمن استراتيجية يمكن وصفها بـ قوس التطويق، التي تقودها إسرائيل عبر أدوات إقليمية (تحديداً الدور الإماراتي)، مستهدفة خنق القوى العربية (المملكة العربية السعودية ومصر) عبر السيطرة على ممرات التجارة وشرايين الطاقة.


أولاً: تشريح قوس التطويق.. استراتيجية الخنق من الأطراف

لا يمكن فهم ما يجري في البحر الأحمر بمعزل عن الحراك المحموم في القرن الإفريقي وشرق القارة السمراء. إن مصطلح "قوس التطويق" ليس مجازاً لغوياً، بل هو وصف دقيق لعملية عسكرية واستخباراتية متكاملة، تهدف إلى بناء "سوار" يلتف حول الجزيرة العربية ومصر، يبدأ من سواحل المحيط الهندي جنوباً وينتهي عند حدود مصر الجنوبية.


تقوم هندسة هذا القوس على ركائز جغرافية محددة، لكل منها دور وظيفي مرسوم بدقة ضمن المخطط الإسرائيلي الذي تنفذه أدوات إقليمية:

كينيا وتنزانيا (قاعدة الارتكاز الخلفية)

الدور: تمثل هذه الدول العمق اللوجستي للمخطط. يتم استخدام موانئها كبدائل استراتيجية بعيدة عن الاضطرابات، ومنصات لتدفق الاستثمارات والأسلحة التي يعاد توجيهها شمالاً نحو الصومال وإثيوبيا.


الهدف: ضمان خط إمداد آمن لا يمر عبر الممرات المائية العربية، مما يحرر إسرائيل وحلفاءها من أي ضغوط قد تمارسها الدول العربية في المضائق.


إثيوبيا (الخنجر المائي والبري)

الدور: استغلال طموح "أديس أبابا" للوصول إلى البحر الأحمر (عبر مذكرة التفاهم مع أرض الصومال) لخلق كيان بحري معادٍ لمصر والسعودية.


الهدف: إشغال مصر بملف وجودي (سد النهضة) لإنهاكها دبلوماسياً وعسكرياً، ومنعها من التفرغ لحماية أمن البحر الأحمر، بالتوازي مع تهديد الأمن المائي للسودان ومصر معاً.


الصومال وأرض الصومال (تفتيت الشاطئ الغربي)

الدور: العمل الممنهج على تكريس انفصال "أرض الصومال" كدولة مستقلة وظيفية، تستضيف قواعد عسكرية أجنبية (إماراتية/إسرائيلية محتملة) على خليج عدن مباشرة.

الهدف: السيطرة على الضفة الغربية لخليج عدن ومضيق باب المندب، مما يعني أن السفن المتجهة لقناة السويس ستمر بـ "ممر إجباري" محاط بقواعد نفوذ غير عربية من الجانبين (اليمن والصومال).


إريتريا (منصة المراقبة الشمالية)

الدور: توظيف القواعد الموجودة في "عصب" و"مصوع" وتحويلها إلى مراكز تنصت متقدمة.


الهدف: إحكام السيطرة على المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، ومراقبة الساحل اليمني الغربي (الحديدة والمخا) عن كثب، لضمان عدم وجود أي تهديد "غير مسيطر عليه".


السودان (حلقة الوصل والتمزيق)

الدور: ما يجري في السودان من اقتتال ليس عبثياً؛ بل هو عملية "تحطيم" للجيش السوداني (الظهير التقليدي لمصر)، ومحاولة للسيطرة على ساحل السودان الطويل على البحر الأحمر (بورتسودان).

الهدف: عزل مصر تماماً عن عمقها الجنوبي، ومنع قيام أي تحالف "مصري-سوداني" قد يهدد النفوذ الإسرائيلي في إفريقيا، بالإضافة إلى قطع طريق "الحزام والطريق" الصيني المحتمل الذي قد يمر عبر السودان.


الأهداف الاستراتيجية الكبرى لهذا القوس:

تحييد قناة السويس: خلق مسارات تجارية برية وسكك حديدية تربط المحيط الهندي بالبحر المتوسط عبر إسرائيل (الممر الاقتصادي)، مما يقلل الاعتماد على القناة ويضرب الاقتصاد المصري في مقتل.

خنق السعودية جنوباً: تحويل اليمن والقرن الإفريقي إلى مناطق نفوذ معادية، مما يجعل المشاريع السعودية العملاقة على البحر الأحمر (نيوم، البحر الأحمر السياحي) تحت رحمة هذه القوى، ويسلب الرياض ورقة "أمن الطاقة" العالمية.


الأمننة الإسرائيلية: جعل أمن البحر الأحمر شأناً دولياً تقوده إسرائيل كـ "ضامن للأمن"، بدلاً من كونه مسؤولية الدول العربية المشاطئة.


ثانياً: الجزر اليمنية.. "حاملات طائرات" ثابتة

لا تكتمل حلقات هذا المخطط دون السيطرة المطلقة على "نقاط الاختناق" في الجغرافيا اليمنية، حيث تم تحويل الجزر من محميات طبيعية إلى ثكنات عسكرية متقدمة:

أرخبيل سقطرى وجزيرة عبد الكوري: تشير المعطيات الميدانية إلى تحويل جزيرة "عبد الكوري" إلى قاعدة استخباراتية وعسكرية متقدمة. الهدف هنا يتجاوز اليمن؛ إنه بناء عين إلكترونية لإسرائيل وحلفائها لمراقبة المحيط الهندي وبحر العرب، ورصد التحركات الإيرانية والباكستانية قبل وصولها للمضيق.


جزيرة ميون (بريم): في قلب باب المندب، تم إنشاء مدرج جوي وقاعدة عسكرية تتيح لمن يسيطر عليها التحكم الفعلي في تدفق التجارة العالمية، مما يجعل الأمن القومي العربي رهينة بيد مشغلي هذه القاعدة.


ثالثاً: هندسة الأداة المحلية.. المجلس الانتقالي ككيان وظيفي

لضمان استدامة هذا النفوذ دون تكلفة بشرية مباشرة للمخططين، جرى العمل على ما يمكن تسميته بـ "هندسة المجلس الانتقالي". هذه العملية ليست دعماً سياسياً عابراً، بل هي إعادة هيكلة بنيوية تهدف لتحويل المجلس من حركة وطنية سياسية إلى "كيان وظيفي".


يتجلى ذلك في القرارات الأخيرة لإعادة هيكلة هيئات المجلس، وإقصاء الأصوات الوطنية الجنوبية التي ترفض المساس بالسيادة، لصالح قيادات تدين بالولاء الكامل للمشروع الخارجي. الهدف هو خلق شريك محلي يشرعن وجود القواعد الأجنبية، ويقمع الرفض الشعبي تحت غطاء شعارات استعادة الدولة، بينما هو في الواقع ينفذ أجندة فصل الساحل والموانئ والجزر عن السيادة اليمنية.


رابعاً: التحالف الرباعي الناشئ.. استراتيجية الردع السعودية

في مواجهة هذا المخطط الخطير، لم تقف قيادة الرياض مكتوفة الأيدي. تبلورت استراتيجية سعودية هادئة وحازمة لبناء تحالف الضرورة والمصير، الذي يضم أثقل القوى في المنطقة: السعودية، مصر، باكستان، وتركيا.


عسكرياً: يشكل الجيش المصري والباكستاني، مع التكنولوجيا التركية (المسيرات)، والقيادة السعودية، قوة ردع هائلة قادرة على "تفكيك" الطوق المفروض.

استراتيجية توزيع الأدوار: ما هو واضح في المشهد أن المعركة السعودية تدار بذكاء عبر مسارين:

المسار الاستراتيجي: يركز على "الصورة الكبرى"، بناء التحالفات الإقليمية، تصفير المشاكل مع تركيا وإيران، وتأمين العمق الاقتصادي للمملكة، مما يفرغ مخططات الخصوم من جدواها السياسي والتخلص من قوس التطويق.


المسار اليمني: يركز بجهد جراحي دقيق على "الملف اليمني"، مفككاً الألغام التي زرعها المخطط الإقليمي، عبر إعادة توحيد الصف اليمني (مجلس القيادة)، ودعم قوات درع الوطن لقطع الطريق على مشروع الانفصال القسري المدعوم خارجياً، وتوحيد الجيش اليمني، وسحب الذرائع التي تستخدمها الأطراف الخارجية للتدخل.


إن ما يجري في اليمن ليس عبثاً، بل هو فصل من فصول صراع وجودي على هوية المنطقة ومستقبلها. وبينما يسعى المخطط الإسرائيلي الإقليمي إلى تحويل اليمن إلى "حديقة خلفية" ممزقة، يقف التحالف الناشئ بقيادة السعودية كحائط صد استراتيجي. المعركة اليوم هي معركة "نفس طويل"، والرهان فيها ليس فقط على القوة العسكرية، بل على وعي الشعوب ويقظة القيادات لخطورة ما يحاك في الغرف المظلمة، وتحويل التحديات إلى فرص تعيد لليمن وللمنطقة توازنها المفقود.