آخر تحديث :الأحد-15 فبراير 2026-11:03ص

ضمّ اليمن إلى مجلس التعاون الخليجي: مصلحة يمنية وخليجية مشتركة

الجمعة - 16 يناير 2026 - الساعة 02:24 م
احمد الدثني

بقلم: احمد الدثني
- ارشيف الكاتب


بقلم: أحمد الدثني


في ظل تعقيدات المشهد اليمني، وتداخل العوامل المحلية والإقليمية، تبرز المملكة العربية السعودية بوصفها الطرف الأكثر دراية بالشأن اليمني، والأقدر على إدارة هذا الملف بحكم الجغرافيا والتاريخ والتجربة الطويلة. ومن هذا المنطلق، تبدو إحدى أكثر الخطوات جرأة وواقعية في آنٍ واحد هي العمل الجاد على ضمّ اليمن إلى مجلس التعاون الخليجي، لا كمنّة سياسية، بل كخيار استراتيجي يخدم الجميع. قد يبدو هذا الطرح مثالياً للبعض، أو سابقاً لأوانه للبعض الآخر، لكنه في جوهره يعالج أصل الأزمة لا أعراضها، وينقل اليمن من مربع الصراع إلى أفق الاستقرار والتنمية.


أخطر ما في الأزمة اليمنية ليس السلاح وحده، بل الفراغ الاقتصادي وانسداد الأفق. ملايين اليمنيين اليوم بلا عمل، بلا دخل، وبلا أمل. وعندما يغيب الأمل، يصبح السلاح هو المهنة الوحيدة المتاحة.

ضمّ اليمن إلى المنظومة الخليجية، ولو تدريجياً وبشروط مرحلية، سيفتح سوق العمل أمام اليمنيين ضمن أطر قانونية منظمة، ويحوّل طاقة الشباب من ساحات القتال إلى ميادين العمل والإنتاج. حين ينشغل الناس بلقمة العيش، تتراجع شهية الحرب تلقائياً، ويضعف تجنيدهم لصالح المشاريع المتطرفة والمليشياوية.


الحوثيون لم يسيطروا على صنعاء بالقوة العسكرية فقط، بل استفادوا من فشل الدولة، وانهيار الخدمات، وانعدام النموذج البديل. لكن التاريخ يقول إن الشعوب لا تبقى رهينة القهر إذا رأت نموذجاً أفضل على مقربة منها. إذا استقرت المناطق المحررة، وتحسنت فيها الخدمات، وارتبطت اقتصادياً بالخليج، فإن صنعاء نفسها – ومعها صعدة وذمار وعمران – ستأتي طوعاً لا كرهاً. سيتحول الرفض الشعبي في مناطق الحوثي من همس خائف إلى موقف ضاغط، لأن المقارنة ستكون فاضحة: فقر وعزلة مقابل فرص واستقرار.


اليمن المستقر ليس عبئاً على الخليج، بل صمام أمان له. الفوضى في اليمن تعني تهريباً، ومخدرات، وسلاحاً، وحدوداً رخوة، وبيئة خصبة للتنظيمات المعادية. أما اليمن المنخرط في منظومة اقتصادية وأمنية خليجية، فهو شريك في حماية الإقليم لا مصدر تهديد له. كما أن دمج اليمن سيخلق عمقاً استراتيجياً بشرياً واقتصادياً للخليج، ويمنح دوله سوقاً واسعة ويداً عاملة قريبة ثقافياً واجتماعياً، بدلاً من الاعتماد المفرط على عمالة بعيدة ومجتمعات غير منسجمة.


طوال سنوات، جرى التعامل مع اليمن كملف أمني أو إنساني، بينما الحقيقة أنه ملف تنموي بامتياز. المساعدات وحدها لا تبني دولاً، والضربات الجوية لا تصنع سلاماً دائماً. ما يصنع السلام هو إدماج اليمن في محيطه الطبيعي، ومنحه فرصة حقيقية ليكون دولة طبيعية.

ضمّ اليمن إلى مجلس التعاون – ولو عبر مسار تدريجي يبدأ بالاقتصاد والعمل ثم ينتقل إلى السياسة – قد يكون الخطوة التي تنقذ اليمن من الانهيار النهائي، وتنقذ الخليج من استنزاف طويل بلا نهاية.


إن إنقاذ اليمن لا يكون بعزله، بل باحتوائه. ولا يكون بإدارته كأزمة دائمة، بل بدمجه كمستقبل مشترك. وإذا كانت المملكة العربية السعودية قد تحملت عبء الملف اليمني طوال السنوات الماضية، فإن أفضل إرث يمكن أن تتركه هو نقل اليمن من الهامش إلى القلب، ومن الحرب إلى الشراكة.


ضمّ اليمن إلى مجلس التعاون الخليجي ليس حلماً رومانسياً، بل خيار عقلاني تأخر كثيراً، وكلما تأخر أكثر، ازدادت كلفته على الجميع.