آخر تحديث :الأحد-15 فبراير 2026-11:03ص

ليست كل الحروب بالنار والبارود

الأحد - 18 يناير 2026 - الساعة 07:19 م
احمد الدثني

بقلم: احمد الدثني
- ارشيف الكاتب


ليست كل الحروب تُخاض بالنار والبارود، ولا كل الانتصارات تُحسم بالجبهات والدماء. فثمة حروب صامتة، أشد فتكًا وأعمق أثرًا، تُدار بالعقل والاقتصاد، وبقدرة الدولة على إقناع شعبها قبل إخضاعه.

وللحروب دروب، وللجنون فنون، لكن السياسة الرشيدة لا تُدار بالاندفاع، بل بحسن التقدير وفهم طبيعة المجتمعات.

اليوم، وفي الحالة اليمنية، يبدو الرهان العسكري وحده رهانًا مكلفًا بلا أفق. فصنعاء، كما غيرها من المدن، ليست مجرد موقع جغرافي يمكن استعادته بالقوة، بل مجتمع حيّ يراقب ويقارن ويختار، حتى في ظل القهر. والمجتمعات بطبعها لا تنحاز للأقوى سلاحًا، بل للأفضل حالًا.

إن الطريق الأقصر إلى صنعاء لا يمر عبر فوهات البنادق، بل عبر إصلاح عدن، والنهوض بالمحافظات المحررة. فحين يرى المواطن في صنعاء نموذجًا مختلفًا في عدن، دولة تحترم الإنسان، توفر الخدمات، تضبط الأمن، وتدير الاقتصاد بعقلانية، سيبدأ السؤال الأخطر: لماذا لا نكون مثلهم؟

الناس لا تهاجر من أجل الشعارات، ولا تثور بدافع الخطب، بل تتحرك حين ترى فرقًا حقيقيًا في الحياة اليومية. كهرباء مستقرة، عملة محترمة، رواتب منتظمة، قضاء عادل، وأمن لا يميز بين الناس. هذه هي أدوات الحسم التي تخشاها الجماعات المسيطرة أكثر من الطائرات والدبابات.

لقد أثبت التاريخ القريب أن القهر قد يفرض الصمت، لكنه لا يصنع الولاء. وأن السيطرة بالقوة تخلق كراهية مؤجلة، بينما الحكم الرشيد يصنع قناعة دائمة. ومن هنا، فإن إصلاح عدن ليس خدمة لأهلها فقط، بل هو مشروع وطني لاستعادة اليمن بأقل كلفة وأعمق أثر.

فلتكن المعركة معركة بناء لا هدم، ومعركة نموذج لا انتقام.

اصلحوا عدن، أصلحوا حضرموت، شبوة، مأرب، وتعز…

وستأتي صنعاء طواعية، لا كرهًا.

فالمجتمع، في نهاية المطاف، يراهن دائمًا على الأفضل.