في لحظات الحزن والألم تظهر معادن الناس، ويتبيّن من هم الأوفياء الذين يقفون إلى جانبنا في أصعب الظروف.
هذا ما حدث لي عندما فقدت زوجتي، التي كانت نصف روحي ونبض قلبي. حين فقدتها أظلمت الدنيا في وجهي، وتراكمت الهموم على قلبي، وشعرت بأنني وحيد في هذا العالم، أتيه في بحر من الحزن والهموم.
كان حزني عميقاً بعمق أغوار الأرض، كبيراً بحجم الجبال الراسيات، ممتداً بمساحة المحيط، متسعاً كاتساع الفضاء اللا متناهي.
حين فقدت ولداي أحمد ومحمد كأنني فقدت نصف عمري، ثم تبعتهم زوجتي فذهب نصفي الباقي.
هـد فراقهم عزيمتي فخارت قواي، وشعرت لأول مرة في حياتي بالعجز التام بعدما ظننت أن لا شيء يعجزني.
لكن لأن الله لطيف بعباده، لم يتركني فريسة للحزن والألم، فهيأ لي أبنائي الأعزاء سنداً قوياً في محنتي.
أحيوا بيتي وتناوبوا على رعايتي، فلم يتركوني وحيداً فريسةً لهمومي وأحزاني، بل وقفوا بجانبي بصدقٍ وإخلاص، برعايتهم وتضحياتهم.
والحق أنني كنت في البداية لا أريد أن أساكن أحداً حتى أجد راحتي في التعبير عن مشاعري ، اندب حظي العاثر بعيداً عن أعين الناس، لكنهم رفضوا رفضاً قاطعاً أن يتركوني وحدي، ولازموني من أول يوم وتناوبوا على خدمتي أسبوعياً، فأحسسوني بعظيم الحب وجميل الود وبر لا يوصف.
حقاً إنهم بقية من روح فاطمة ــ الروح والقلب.
انقسمت روحي بيني وبينها؛ نصف روحي معها هناك .. والنصف الآخر ما زال هنا..
وصدق أحمد شوقي حين قال:
*أنا من مات ومن مات أنا.
لقى الموت كلانا مرتين.
نحن كنا مهجةً في بدنٍ.
ثم صرنا مهجةً في بدنين.*
ابنتاي الغاليتان إيمان وخديجة كانتا أكثر اهتماماً بي وبمشاعرهما الصادقة الصافية، صفاء الذهب الخالص..لا أملك إلا أن أقول: شكراً من القلب لإيمان الرقيقة الراقية، ما زلت أرى فيكِ أحمد ومحمد الغاليين على قلبي. شكراً من القلب لخديجة المؤدبة الخدومة التي تركت بيتها وجاءت لخدمتي. شكراً لأولادي الذين لم يقصروا في حقي: إيناس وناصر ووجدي.
شكراً لأقربائي الذين واسوني في مصابي الجلل.
شكراً لقبيلتي على مواساتهم ودعمهم المعنوي.
شكراً لأصدقائي الذين وقفوا بجانبي وقفة صدق ووفاء.
ليس أفضل ولا أجلّ من من يقف إلى جانبك في وقت أزمتك؛ فالإنسان بطبعه اجتماعي، يحتاج إلى أخيه الإنسان في شدته، وحين يلتف حوله أصدقاؤه ومحبوه يشعر بالأمان وتخفّ أحمال أحزانه الثقيلة على قلبه.
شكراً من القلب لكل من وقف بجانبي في أزمتي؛ موقفهم خفف من أثقال حزني. فلهم مني كل حب وامتنان وشكر، وأسأل الله ألا يرهم مكروهاً.
وختاماً:
دور الأبناء البارين ركيزة لا تُقدّر بثمن. شكراً لكم يا بقية من روح فاطمة. والشكر موصول لكل الإخوة والأصدقاء الأوفياء الذين ما بخِلوا عليّ بمواساتهم.