آخر تحديث :الإثنين-06 أبريل 2026-01:32ص

إعادة تدوير النخب السياسية في اليمن.. أزمة الحوكمة وغياب التغيير الجذري

الثلاثاء - 20 يناير 2026 - الساعة 04:46 م
صابر الجرادي

بقلم: صابر الجرادي
- ارشيف الكاتب


يُعد الفرق بين مسار الأزمات في اليمن وتجارب أخرى في الإقليم والعالم أجمع فرقًا بنيويًا لا شكليًا. ففي حين اتجهت بعض الدول، ولو جزئيًا، إلى مراجعة أسباب الانهيار ومحاولة معالجة جذور الخلل، ظلت الحالة اليمنية أسيرة نمط متكرر يقوم على إعادة تدوير النخب نفسها بوصفها حلًا، رغم كونها جزءًا أصيلًا من المشكلة. هذا النمط لا يؤسس للخروج من الأزمة، بل يعمل على تأجيلها وإعادة إنتاجها بأشكال مختلفة.


ليس كل تغيير في البنية الحكومية أو في المسميات السياسية مؤشرًا على تحول حقيقي. كثيرًا ما يُقدم التعديل الحكومي في اليمن باعتباره اختراقًا أو بداية إصلاح، بينما هو في جوهره إعادة توزيع للأدوار داخل الدائرة ذاتها. ينتقل الوزير من حقيبة إلى أخرى دون تقييم موضوعي لأدائه السابق، ودون اعتبار لمبدأ التخصص أو الكفاءة، وكأن الفشل الإداري لا يُحاسب عليه، بل يُعاد توظيفه.


تكمن خطورة هذا السلوك في أنه يُفرغ مفهوم الدولة من مضمونه المؤسسي. فالدولة الحديثة تُدار بمنطق الأداء والمساءلة، لا بمنطق التوازنات المؤقتة أو إعادة تدوير الولاءات. حين يُنقل مسؤول فشل في إدارة وزارة خدمية إلى وزارة سيادية، فإن الرسالة التي تصل إلى المجتمع ليست رسالة إصلاح، بل رسالة تطبيع مع الفشل، بل ومكافأته أحيانًا.


إن غياب مبدأ التخصص في التعيينات الحكومية يمثل أحد أخطر أوجه الأزمة. الوزارات ليست مساحات تجريب سياسي، بل مؤسسات ذات وظائف دقيقة تتطلب خبرة تراكمية ومعرفة فنية وإدارية. نقل وزير من قطاع إلى آخر بلا صلة معرفية أو مهنية يعكس تصورًا للدولة باعتبارها غنيمة سياسية لا منظومة عمل. ومع الوقت، يؤدي ذلك إلى تآكل الكفاءة العامة، وإقصاء الكفاءات الوطنية، وتكريس ثقافة مفادها أن القرب السياسي أهم من القدرة المهنية.


على المستوى البنيوي، تؤدي سياسة التدوير هذه إلى تحويل الدولة من كيان يسعى إلى التنمية والاستقرار إلى جهاز دائم لإدارة الأزمات. فبدل معالجة أسباب الانهيار—كضعف المؤسسات، وغياب المساءلة، وفساد الإدارة—يُعاد إنتاج الأشخاص أنفسهم بأدوار مختلفة، ما يمنح الخلل فرصة جديدة للتكيف بدل أن يُجتث من جذوره.


أما على المستوى المجتمعي، فإن الأثر الأعمق يتمثل في تآكل الثقة العامة. المواطن الذي يرى الوجوه ذاتها تعود في كل مرحلة، رغم إخفاقاتها السابقة، يفقد إيمانه بإمكانية الإصلاح من داخل النظام. ومع غياب المحاسبة، تتحول أي وعود بالتغيير إلى مجرد خطاب سياسي لا يحمل وزنًا فعليًا. وهنا تصبح الدولة ضعيفة في نظر المجتمع، ليس لأنها تفتقر إلى الموارد فقط، بل لأنها تفتقر إلى المصداقية.


وإذا استمر هذا النهج، فإن المستقبل السياسي لليمن مرشح لمزيد من الهشاشة. قد تحدث تحسنات طفيفة في بعض القطاعات نتيجة ضغوط خارجية أو دعم مؤقت، لكنها ستظل تحسنات سطحية، سرعان ما تتلاشى أمام بنية إدارية وسياسية عاجزة عن الإصلاح الذاتي. فالمعجزات، إن حدثت، ستكون محدودة الأثر طالما أن آلية إنتاج الأزمة ما تزال قائمة.


إن الخروج من هذا المسار لا يمكن أن يتم إلا عبر تغيير جذري في فلسفة الحكم للدولة: تغيير يقوم على الفصل بين المنصب والكفاءة، وبين الفشل والاستمرار في السلطة. الإقالة بسبب الفشل يجب أن تكون فعلًا طبيعيًا في إدارة الدولة، لا وصمة سياسية، كما أن المحاسبة ليست انتقامًا، بل شرطًا أساسيًا لاستعادة هيبة الدولة وبناء عقد اجتماعي جديد.


من دون كسر دائرة إعادة تدوير النخب، سيظل اليمن يدور في الحلقة نفسها، مهما تغيرت الأسماء أو التحالفات. فالدول لا تنهض بتبديل الوجوه، بل بتغيير القواعد التي تحكم صعودها وبقائها في مواقع القرار.