آخر تحديث :الثلاثاء-17 فبراير 2026-02:36ص

المجلس البلدي القادم في الخليل: آخر الفرص قبل ترسيخ الفشل

الأربعاء - 21 يناير 2026 - الساعة 07:41 م
غسان جابر

بقلم: غسان جابر
- ارشيف الكاتب


بعد أشهر قليلة، ستُسلَّم مفاتيح بلدية الخليل إلى مجلس جديد، في لحظة يفترض أن تكون مدخلًا للتغيير. غير أن التجربة القريبة، والوقائع الثقيلة التي عاشتها المدينة، تفرض سؤالًا حادًا لا مجال للهروب منه:

هل نحن أمام بداية تصحيح حقيقي، أم أمام فصل جديد من إدارة العجز وتجميل الإخفاق؟


الخليل، كبرى مدن فلسطين، لا تعاني أزمة موارد بقدر ما تعاني أزمة إدارة.

المجلس البلدي الحالي، ومن سبقه، قدّم نموذجًا واضحًا لكيف يمكن للمؤسسة البلدية أن تتحول من ذراع خدمة عامة إلى ساحة خلافات داخلية، تُدار بمنطق الكتل لا بمنطق المدينة، وبحسابات النفوذ لا بحسابات المصلحة العامة.


اليوم، ومع الحديث عن مجلس بلدي قادم قد يتشكل من أكثر من كتلة، يبرز السؤال الجوهري:

هل تستطيع أي كتلة، منفردة أو مجتمعة، تنفيذ برنامجها الانتخابي؟

الوقائع السابقة تقول إن معظم هذه البرامج تُكتب بلغة مثالية عالية السقف، ثم تُدفن عمليًا تحت طاولة الخلافات، حيث يصبح تعطيل الآخر إنجازًا بحد ذاته، وتُختزل السياسة البلدية في مناكفات لا تنتهي.


حين يغيب التوافق على أولويات واضحة، تتحول البلدية إلى مؤسسة مشلولة.

لا قرار يُتخذ في وقته، ولا أزمة تُدار بحزم، ولا محاسبة حقيقية تُمارَس.

وتصبح الخدمات الأساسية — من نفايات، ومياه، وكهرباء، وطرق، وتنظيم سير — ملفات مؤجلة، تُفتح فقط عند الغضب الشعبي، ثم تُغلق بلا حلول جذرية.


الأخطر من ذلك، هو تكريس ثقافة المحسوبيات تحت مسميات مختلفة.

تعيينات لا تخضع للكفاءة، وخدمات تُدار بمنطق الواسطة، وقرارات تُفصَّل على مقاس العلاقات لا على احتياجات المدينة.

وهنا لا يعود الفشل استثناءً، بل يصبح نهجًا مستقرًا.


الخليل لا تحتاج مجلسًا بلديًا يُجيد إصدار البيانات، بل مجلسًا يُجيد اتخاذ القرار.

لا تحتاج وعودًا جديدة، بل تحتاج شجاعة الاعتراف بأن ما جرى كان إخفاقًا، وأن استمراره هو تهديد مباشر لما تبقى من ثقة الناس بالمؤسسات المحلية.


أما المواطن الخليلي، فهو شريك في النتيجة، شاء أم أبى.

الانتخابات البلدية ليست مناسبة اجتماعية ولا تصفية حسابات عائلية.

هي لحظة اختيار بين من يملك خبرة ورؤية واستقلالية قرار، وبين من يتقن الخطاب ويعجز عن الإدارة.


على الناخب أن يسأل بوضوح:

من يستطيع العمل ضمن فريق دون تعطيل؟

من يضع المدينة قبل الكتلة؟

ومن يفهم أن العمل البلدي ليس منصة سياسية، بل مسؤولية يومية قاسية تتطلب كفاءة وانضباطًا ومحاسبة؟


الخليل اليوم تقف أمام مفترق حاسم.

إما مجلس بلدي مختلف في الأداء والعقلية، أو سنوات أخرى من إدارة الأزمة بدل حلها، ومن تبرير الفشل بدل وقفه.

إن لم يكن المجلس القادم قادرًا على كسر الحلقة المفرغة ذاتها،

فسيكون مجرد نسخة أخرى من تجربة يعرفها أهل الخليل جيدًا… ويدفعون ثمنها يوميًا.


نقول:

إن المرحلة القادمة لا تحتمل ترف الصمت ولا سياسة التغاضي.

المحاسبة الشعبية ليست فعل غضب عابر، بل واجب مدني مشروع، يبدأ من صندوق الاقتراع ولا ينتهي عنده.

من حق المواطن الخليلي — بل من واجبه — أن يُطالب، وأن يُراقب، وأن يُحاسب كل من يتولى موقعًا عامًا، عبر الأدوات القانونية: السؤال، والاعتراض، والمتابعة، واللجوء إلى القضاء عند التقصير أو الإهمال.


المجلس البلدي القادم يجب أن يفهم منذ اليوم الأول أن زمن العمل بلا رقابة قد انتهى، وأن الشارع الذي منح الثقة قادر على سحبها معنويًا وسياسيًا وقانونيًا.

فلا حصانة لفشل، ولا شرعية لعجز، ولا قدسية لمنصب إن لم يُترجم إلى خدمة حقيقية للناس.


الخليل تستحق مجلسًا يعمل تحت ضوء الشمس، لا خلف الأبواب المغلقة،

وتستحق مواطنًا يقظًا لا يُصفّق، بل يُدقّق، ولا يكتفي بالشكوى، بل يُحوّلها إلى فعل قانوني منظم.


وإما أن تكون المرحلة القادمة عنوانًا لاستعادة البلدية كخدمة عامة،

أو ستتحول — بوعي الناس هذه المرة — إلى ساحة محاسبة مفتوحة لا ينجو فيها إلا من عمل بصدق وكفاءة.


م. غسان جابر - قيادي في حركة المبادرة الوطنية الفلسطينية.